د. قاسم بن محمد الصالحي|
في كل مجتمع حيّ، يبقى السؤال هو العلامة الأولى على الصحة، والناس بطبيعتهم حين تتسارع الأحداث من حولهم، يسألون:إلى أين نمضي؟.
هل تُدار موارد البلد بطريقة تكفل لنا استقراراً طويل المدى؟.
وهل ما نراه على الأرض يتناسب مع ما نسمعه من خطط واستراتيجيات؟.
هذه الأسئلة لا تعكس قلقاً بقدر ما تعكس مشاركة. فالمواطن اليوم ليس متلقياً فقط، بل مراقبٌ لما يجري حوله، يرى حركة الأسعار، ويقارن بين دخله وتكاليف حياته، وينظر للواقع الإقليمي والعالمي بتوجس طبيعي.
في المقابل، تتحرك الدولة وفق منظومة أوسع من اللحظة الراهنة؛ منظومة تتعامل مع موارد محدودة، ومتغيرات عالمية سريعة، والالتزام بالاستدامة قبل الإغراءات السريعة.
أحياناً لا يرى المجتمع هذه الحسابات الدقيقة، فيظن أن البطء تردد، أو أن التدرج مساومة مع الواقع. لكن الحقيقة أن هذا النوع من الإدارة-خاصة في بلد مثل عُمان-ليس ترفاً، بل ضرورة تمنع الصدمات وتضمن بقاء التوازن الاجتماعي.
هذا التوازن هو ما يجعل الدولة تتريث في الإنفاق، وتوزع المشاريع على المحافظات وفق أولويات واضحة، وتتعامل مع الموارد بسياسة تحفظ الغد دون أن تهمل اليوم.
بين السؤال والإجابة مساحة تحتاج إلى لغة مشتركة. فالناس يريدون أن يعرفوا: لماذا يمضي البعض في انتظار مشاريع يرونها ضرورية؟ ولماذا تُدار الميزانيات بحذر شديد؟. ولماذا تبدو بعض القرارات بطيئة مقارنة بتوقعاتهم؟.
والدولة، في المقابل، تشير إلى صورة أشمل: أن العدالة في توزيع التنمية لا تتحقق بصوت مرتفع، بل بعمل هادئ ومتدرج. وأن الحفاظ على الاحتياطيات المالية ليس عبئاً، بل صمام أمان للأجيال القادمة.
وأن الاستقرار المعيشي لا يأتي من الإنفاق وحده، بل من ضبط الإيقاع الاقتصادي ليبقى المجتمع في مأمن من الهزات العالمية.
الناس تلاحظ أن التنمية تصل إلى المحافظات من دون ضجيج؛ طرق، موانئ، مشروعات زراعية، مبادرات شبابية، وتطوير للخدمات.
لكنهم يتساءلون أيضاً عن سرعة التنفيذ، وعن حجم العائد المباشر على حياتهم اليومية. وهذا حقّ مشروع.
فالطمأنينة لا تبنى بالكلام، بل بالشعور بأن الخطوات التي تُتخذ تلامس احتياجاتهم بقدر ما تلامس المؤشرات الاقتصادية.
نحن أمام معادلة دقيقة: مجتمعٌ يريد أن يرى أثر التنمية الآن، ودولةٌ تعمل وفق حسابات المستقبل. ومساحة اللقاء بين الطرفين تكمن في الشفافية، وفي توضيح أن السياسات الحالية ليست جمودًا، بل حماية من الانزلاق نحو أزماتٍ طاحنة يعيشها غيرنا.
وفي أن العدالة، لا السرعة، هي القيمة التي تضمن صلابة المجتمع على المدى البعيد.
في النهاية، تساؤلات الناس مشروعة، وجهود الدولة قائمة، وبينهما خيطٌ واحد ينبغي الحفاظ عليه: الثقة بأن الثروة تُدار بروح المسؤولية لا برد الفعل، وبحسابات تحفظ الاستقرار لا تضيّعه.
وما دام الحوار قائماً، والخطوات تتقدم ولو ببطء محسوب، فإن الطمأنينة ليست وعداً، بل نتيجة طبيعية لتوازنٍ يُبنى بهدوء، ويُشاهد في تفاصيل الحياة قبل أن يُكتب في التقارير.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة