د. قاسم بن محمد الصالحي|
في الصباح الذي أستيقظت فيه المنامة على إيقاع القمة الخليجية، تبدو المنطقة كمن يقف على عتبة فصلٍ جديد؛ فصلٍ لا تكتبه السياسة وحدها، بل يسهم في صياغته قطاع ظلّ طويلاً في الظل قبل أن تضيء عليه التحولات الكبرى.. السياحة.
لم تعد السياحة – كما تُقدّم في الخطابات التقليدية – مجرد حركة للناس أو موسم للعطلات، بل غدت أحد أكثر حقول المستقبل قابليةً للتشكل، وحاملةً لهوية خليجية تبحث عن ذاتها في زمن سريع التحوّل. وفي مثل هذا الاجتماع الخليجي الرفيع، تعود الأسئلة بصوت أعلى: ما الذي يمكن أن تقدمه القمة لهذا القطاع؟. وما الذي يمكن أن يكتسبه الخليج حين يقرر أن يجعل من جغرافيته مشروعًا متكاملًا، لا أراضي متجاورة فحسب؟.
حين يسافر السائح بين الرياض ومسقط والمنامة والدوحة وأبوظبي والكويت، فهو لا يعبر حدوداً سياسية بقدر ما يعبر طبقات متراكمة من الحكايات. هذه الحكايات – إن وُحِّدت في مشروع واحد – تكفي لأن تجعل الخليج كتلةً سياحية متينة قادرة على منافسة أعتى الوجهات العالمية.
وهنا تكتسب قمة المنامة معناها؛ فهي ليست محطة نقاش بروتوكولي، بل منصة يمكن أن يُولد فيها قرار يصنع الفرق؛ تأشيرة موحدة، تجربة عبور انسيابية، تسويق جماعي، وربط لوجستي يختصر الزمن ويُقرب المسافات.
هذه ليست رفاهية، بل شرط من شروط القوة الناعمة للدول، ورافعة لا يُستهان بها في زمن الاقتصاد المتغير.
وفي قلب هذا الفضاء المتنوع، تبدو عُمان بصورتها الفريدة؛ طبيعة لا تزاحم أحداً، ثقافة لا ترتفع بالصوت بل بالعمق، وسياحة لا تُرهق المكان بل تحتضنه. إن حضور عُمان في أي مشروع سياحي خليجي يجعل التجربة أكثر توازناً، ويمنحها ذلك “الملمس الهادئ” الذي تحتاجه الوجهات العالمية.
فالزائر الذي يقف بين جبال الحجر أو ينزل في أودية الداخلية أو يسير على شواطئ ظفار، أو يتسلق جبال مسندم، يلتقط هواءً مختلفاً، ويتعرف على هوية لا تتكرر. وهذه الهوية هي ما يبحث عنه العالم اليوم وسط ضجيج السفر السريع.
إنّ العالم من حول الخليج يتغير بوتيرة لا تهدأ؛ أسواق تتقلّب، طاقة تعيد تشكيل دورها، وسياسات تعبر مراحل جديدة من إعادة التموضع. وسط ذلك كله، تبدو السياحة القطاع الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وعلى خلق وظائف حقيقية، وعلى دعم الصناعات المتصلة بها من نقل وضيافة وثقافة وحرف وتقنية.
لهذا لم تعد السياحة مجرد “قطاع داعم”، بل خط دفاع اقتصادي، وركيزة صاعدة في خطط التنويع، وجسراً يعبر عليه الخليج من اقتصاد النفط إلى اقتصاد الإنسان والخبرة والتجربة.
القمة ليست نهاية الطريق بل بدايته. فإذا خرجت بقرارات عملية، فإن الخليج سيكون أمام فرصة نادرة ليُعيد تقديم نفسه للعالم، لا كجزر اقتصادية منفصلة، بل كمنطقة واعدة تمتلك مزيجاً لا يتكرر من المكان والتاريخ والحداثة.
إن السياحة الخليجية – إن توحدت مرجعياتها، واتسقت تشريعاتها، وتكاملت عروضها – يمكن أن تصبح علامة عالمية، ورواية كبرى تتقاطع فيها البحرين برحابة البحر، وقطر بإيقاع المدينة، والإمارات بتجربتها المتسارعة، والكويت بذاكرتها الساحلية، والسعودية بمشهدها المفتوح على الصحارى والآثار، وعُمان بطبيعتها وعمقها الإنساني.
في قمة المنامة، لا يبحث الخليج عن “تنشيط سياحي” جديد، بل عن بوصلة تمنح الجغرافيا معناها، وتحوّل المكان إلى قيمة، وتعيد رسم دور المنطقة في الاقتصاد العالمي.
السياحة ليست امتداداً لرفاهيات الماضي، بل ركيزة لمستقبلٍ يبدأ حين نتعامل مع الأرض ككنز، ومع الإنسان كقيمة، ومع الهوية كقوة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة