مقال| حين تُستغل الفاجعة.. وتغيب الحكمة

د. قاسم بن محمد الصالحي|


لا شيء أثقل على القلب من رحيل أسرة كاملة في لحظة واحدة؛ فالحادثة التي شهدتها العامرات ليست مجرد خبر عابر، بل فاجعة تُوجع الضمير وتترك في الروح حزناً لا يُترجم بالكلمات. وفي مثل هذه اللحظات، عادةً ما تتقدّم مشاعر الرحمة والتعاطف، ويصمت الجدل احتراماً لحرمة المأساة.. إلا أن البعض – للأسف – رأى في هذا الجرح المفتوح فرصة لرفع الصوت، لا لتهدئة الوجيب، بل لإثارة العاصفة.

خرجت سيناريوهات جاهزة قبل أن تجف دموع الناس، وقبل أن تنطق الجهات المختصة ببيان أو نتيجة تحقيق. وبدلاً من أن تكون الفاجعة لحظة تأمّل ومسؤولية، تحوّلت عند بعض المؤججين إلى منصّة للاتهام والتشكيك، وإعادة تقشير الجروح القديمة: المسرّحون، الباحثون عن عمل، التحديات الاقتصادية.. وكأن الحادث الذي ألمّ بأسرة بريئة ليس إلا مناسبة لإعادة تدوير نفس الخطاب الانفعالي الذي يتغذّى على العاطفة ويهرب من التحقق والموضوعية.

ليس في الأمر دفاع عن خطأ، ولا تغاضٍ عن نقص أو تقصير. نعم، في واقعنا تحديات حقيقية، وفي مجتمعنا قضايا تحتاج مسارات إصلاح واضحة وجادة. لكن تحويل مأساة إنسانية إلى كرة نار تُرمى في وجه المجتمع والجهات، وإلى مادة للشهرة أو لجذب المتابعين، هو ما يستحق الوقوف عنده. فالحكمة لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرة المتحدث على وزن الكلمة في ميزان الحق والرحمة.

إن استغلال الفواجع لإثارة الرأي العام لا يصنع وعياً، ولا يُصلح خللاً، بل يزيد الشرخ ويعمّق الارتباك. المجتمع العماني، عبر تاريخه، أثبت أنه قادر على مواجهة أزماته بهدوء متزن، وباحترامٍ للحقائق وللسياقات. وما تحتاجه مثل هذه الحوادث هو الصبر على نتائج التحقيق، والثقة بإجراءات الدولة، وإعطاء المختصين فرصة للكشف عن السبب الحقيقي بعيداً عن صخب التأويلات.

نعم، الأخطاء موجودة، والسلبيات لا تُخفى، والتحديات ليست قليلة. لكن إصلاحها يحتاج خطاباً نقدياً مسؤولاً، لا خطاباً انفعالياً يبحث عن “ليلاه” الخاصة. فالفاجعة ملك لأصحابها، والحزن حقٌ لهم، وليس سلعة للمتاجرة ولا منصة لتصفية الحسابات.
يبقى الأجدر بنا اليوم أن نتشارك الحزن بقلوب صادقة، وأن نُبقي مسافة احترام بين الألم والجدل، وأن نمنح الحقيقة وقتها، لا أن نسبقها بصراخ يُطفئ نور العقل ويشعل فتيل الفوضى. فالوطن يُبنى بالكلمة الصادقة، لا بالصوت العالي، وبالنقد المسؤول، لا بالتأجيج.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*