د. قاسم بن محمد الصالحي|
في كل مرة أحدّق فيها في وجوه الشباب العمانيين، أشعر بأن البلاد تمسك بيدها جمرة من الضوء، لا تريد لها أن تبرد ولا أن تُهمل. جمرة إن اشتعلت أضاءت الطريق، وإن خبت خسر الوطن أعزّ ما يملك. وفي زمن التحول الرقمي الهائل، لم يعد السؤال: هل نملك الشباب؟. بل: هل نملك القدرة على حفظ جذوتهم متقدة، وتوجيهها نحو مشروع وطن يريد أن يتقدم بخطى واسعة نحو 2040؟.
لقد أصبح العالم شاشة كبيرة، تعمل على مدار الثواني، وتعيد تشكيل مفاهيم العمل والفرص، وتفتح بوابات كانت يوماً بعيدة المنال. وفي هذا العالم الذي يتغير بأسرع مما نلتقط أنفاسنا، يبدو الشباب العماني بحضوره الرقمي، ووعيه الجديد، وأفكاره التي تتقافز كشرارات، أقرب ما يكون إلى قوة وطنية إذا أُحسن استثمارها، وإلى طاقة ضائعة إذا استُهين بها.
لم يعد احتضان التكنولوجيا خياراً، بل صار جزءاً من هوية الجيل. فالشاب اليوم لا ينتظر فرصة لتطرق بابه، بل يبتكر باباً جديداً. الأفكار تتدفق من أجهزة صغيرة تُحمل في الجيب، والمشاريع تنشأ من غرفة هادئة في بيت عادي، والمنتجات الرقمية تُصدّر إلى العالم دون أن يغادر صاحبها قريته. هذه ليست رفاهية؛ هذا اقتصاد المستقبل، والشباب هم لغته الأم.
غير أن الجذوة – مهما اشتعلت – تحتاج إلى من يقيها ريح الشك.
الشاب الذي لا يثق بأن بلاده تؤمن بإمكاناته، يتحول سريعاً إلى طاقة باردة؛ والدولة التي لا تثق بشبابها، تفقد أسرع وأغلى عناصر قوتها.
رؤية عُمان 2040 أدركت هذه الحقيقة مبكراً؛ فوضعت الثقة في قلب مشروعها، ليس كشعار تجميلي، بل كأساس تُبنى عليه شراكة المستقبل. الثقة بأن هذا الجيل قادر على الابتكار، على اقتحام عالم التقنية، على بناء شركاته، وعلى تحويل الحلم إلى مؤسسة.
الشراكة التي تتحدث عنها الرؤية ليست تلك التي تعتمد على انتظار التعليمات والموازنات، بل هي الشراكة التي تبدأ من الوعي: وعي الشاب بأن المستقبل يُصنع، لا يُمنح؛ وعي المجتمع بأن دعم الأفكار الصغيرة ليس ترفاً، بل ضرورة؛ وعي المؤسسات بأن دورها ليس الحراسة، بل التمكين.
ولذلك، فإن تحويل التحول الرقمي إلى فرصة وطنية حقيقية يستوجب فتح النوافذ أمام الشباب: أن يكونوا جزءاً من تصميم الخدمات الذكية، من بناء المنصات، من صياغة السياسات التقنية، ومن تحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية لا مجرد استهلاك.
عُمان تقف أمام لحظة مفصلية؛ لا يتكرر كثيراً في تاريخ الأمم. لدينا رؤية واضحة، وقيادة تعرف أن المستقبل يبدأ قبل أن نصل إليه، وشباب يملكون الجرأة على المغامرة، والخيال على الابتكار، والقدرة على التعلم السريع.
كل ما نحتاجه هو أن نؤمن بجذوتهم، وأن نفتح لهم الطريق، وأن نقول لهم – دون ارتياب – إن مستقبل عُمان ليس صفحة مكتوبة بمداد غيرهم، بل هو صفحة تنتظر أقلامهم هم.
وحين يثق الشاب ببلاده، ويثق الوطن بشبابه، يصبح التحول الرقمي ليس مجرد تحديث للأنظمة، بل نهضة جديدة تُكتب من نبض الجيل.. ومن تلك الجذوة التي لا ينبغي لها أن تنطفئ.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة