مقال | وسام الشرف الأعظم.. حين تتحدث الدولة بلغة القيم

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في اللحظات التي تختار فيها الدول تكريم رموزها، لا تكون الحقيقة في شكل الوسام ولا في بروتوكول الاحتفال، بل في المعنى الذي تريد الدولة تثبيته في الوعي العام. وهكذا جاء تكريم حرم جلالة السلطان، السيدة الجليلة، بوسام الشرف الأعظم؛ لحظة تتجاوز الاحتفاء إلى صياغة رسالة وطنية عميقة تُقرأ من زوايا السياسة والاجتماع والوجدان.

منذ تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، قيادة البلاد، اختارت عُمان نهجاً هادئاً لبناء الدولة الحديثة؛ نهجاً يقوم على تثبيت القيم قبل الإنجازات، وعلى ترسيخ الإنسان قبل المؤسسات. وفي هذا السياق، يظهر دور السيدة الجليلة بوصفه امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية؛ فحضورها ليس صاخباً ولا متكلفاً، لكنه ممتد في حياة الناس عبر مبادرات إنسانية واجتماعية وثقافية تعمل بصمتٍ وعمق.

ولذلك، فإن منحها وسام الشرف الأعظم ليس تكريماً شخصياً بقدر ما هو تقدير لمدرسة كاملة في القيادة المجتمعية؛ مدرسة تؤمن بأن الرفعة تُبنى بعملٍ هادئ، وأن المكانة تُصنع بالالتزام، وأن الأثر الأعمق هو ذاك الذي لا يحتاج إلى كاميرات ليُرى. إنها رسالة تؤكد أن المرأة العُمانية، في كل مواقعها، ليست ملحقة بركب النهضة بل شريكة في صناعته، وأن ما تقدمه من عطاء اجتماعي وإنساني هو جزء من بنية الدولة الحديثة لا مجرد مبادرات جانبية.

يحمل الوسام أيضاً إشارة ثقافية مهمة؛ أن عُمان اليوم تعيد تعريف القوة الوطنية بوصفها قدرة على الاحتواء والتشجيع وصناعة القدوة. فالسيدة الجليلة لم تخرج إلى الواجهة بمشاريع استعراضية، بل بمشاريع تلامس الفئات الأكثر حاجة والأكثر أثراً؛ الطفل والمرأة والمسن والبيئة والمبادرات المجتمعية. لقد قدمت نموذجاً هادئاً لكنه شديد الفاعلية، ينسجم مع الشخصية العُمانية التي تأنف المبالغة وتحتفي بما هو أصيل وراسخ.

وهكذا يصبح وسام الشرف الأعظم تعبيراً عن فلسفة الدولة كما هو تعبير عن تقدير شخصي؛ فلسفة ترى أن القيم ليست ترفاً معنوياً، بل أساس في بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وأن القيادة التي تتقدم خطوة واحدة نحو المجتمع تُلهمه أن يخطو عشرًا.

ليس مستغرباً إذن أن يحظى هذا الحدث باهتمام واسع، فتكريم السيدة الجليلة هو في جوهره تكريم لصورة عُمان التي نريدها: دولة توازن بين الحداثة والإنسان، بين الإنجاز والقيم، بين الحضور الدولي والرباطة الداخلية. إنه إعلان أن عُمان تواصل بناء نهضتها الثالثة بوجدانٍ أصيل، حيث تكون المرأة شريكة حضور وأثر، وحيث يكون التقدير مرآة لأدوار تُبنى على العمل لا على الظهور.

في النهاية، يبقى وسام الشرف الأعظم شهادة دولة لدورٍ صامت لكنه عميق، ولقيادة اجتماعية اختارت أن تكون قوة خير، وأن تمثل وجه عمان المشرق بعملها لا بكلماتها. وتلك – بلا شك – أرقى صور التكريم، وأصدقها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*