د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست الزيارة الرسمية التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى مملكة إسبانيا مجرّد محطة بروتوكولية في سجلّ العلاقات الدبلوماسية، بل هي رحلة رمزية تحمل عبق التاريخ ووعي الجغرافيا، رحلةٌ يلتقي فيها البحران: بحر العرب الذي صاغ هوية عُمان، والبحر المتوسط الذي نحت ذاكرة إسبانيا. كلاهما عرف الموج طريقاً إلى العالم، وكلاهما آمن أن الطريق إلى الآخر لا يُعبَد بالسيوف، بل بالمعرفة والتجارة والحوار.
من مسقط التي كانت مرفأً للرحالة والتجار والشعراء، إلى مدريد التي كانت قلب أوروبا النابض بالفكر والفن، يمتد خيطٌ من الضوء يشبه سيرة الأمم التي لم تخشَ المدى. فالعُمانيون الذين أبحروا شرقاً وغرباً، حملوا في سفائنهم قيم السلام قبل السلع، والذين عبروا من الأندلس إلى المحيط، تركوا في ضمير التاريخ أثراً لا يُمحى. واليوم، حين تلتقي عُمان بإسبانيا، فكأن الماضي يستعيد صوته في الحاضر، وكأن التاريخ يُصافح نفسه.
زيارة جلالة السلطان إلى مدريد تأتي في زمنٍ عالميٍّ متحوّل، تُعاد فيه صياغة موازين القوى، وتُختبر فيه صدقية المفاهيم التي تتحدث عن الشراكات العابرة للثقافات. وفي هذا المناخ، تبدو الديبلوماسية العُمانية الهادئة كما لو كانت نغمةً مطمئنة وسط ضجيج العالم؛ نغمة تُذكّر بأنّ الاستقرار ليس شعاراً، بل فنٌّ من فنون الحكمة، وأنّ بناء الجسور بين الأمم عملٌ لا يقلّ قداسة عن بناء الأوطان.
إسبانيا بدورها تنظر إلى عُمان باعتبارها بوابةً إلى الخليج وبحر العرب، كما تنظر إليها بوصفها نموذجاً لدولةٍ عربيةٍ استطاعت أن توازن بين الأصالة والتحديث، بين الإرث والمستقبل. وفي المقابل، ترى عُمان في إسبانيا امتداداً للأفق الأندلسي الذي بقي في الوجدان العربي رمزاً للتلاقح الحضاري، ومرآةً لروحٍ تتّسع للعلم والجمال والاختلاف.
إنّ اللقاء بين جلالة السلطان هيثم بن طارق وجلالة الملك فيليبي السادس ليس لقاء دولتين فحسب، بل لقاء رؤيتين للعالم: رؤيةٍ تؤمن بأنّ السلم يصنع التنمية، وأنّ الحوار يخلق الفرص، وأنّ البحر ما زال كتاباً مفتوحاً يكتب فيه الإنسان فصول المصير المشترك.
ولعلّ أجمل ما في هذه الزيارة أنها تُعيدنا إلى المعنى الأعمق للدبلوماسية؛ أن تكون الجغرافيا سبباً للتقارب لا للفصل، وأن تُستعاد من روح التاريخ تلك اللحظة التي آمنت فيها الأمم بأنّ التنوّع ثروة، لا تهديداً.
فمن ضفاف مسقط التي حملت رسالة السلام إلى شرق إفريقيا، إلى مرافئ مدريد التي حملت مشعل الفن والفكر إلى العالم الجديد، تمتد اليوم يدٌ عُمانيةٌ إلى يدٍ إسبانيةٍ، في لحظةٍ تُعيد إلى البحرين القديمين بعضًا من صفائهما الأول.
إنها ليست زيارةً عابرة في أجندة الزمن، بل سطرٌ جديد في سفر الحكمة العُمانية، يكتبه قائدٌ يمضي بثقةٍ على طريقٍ رسمه الأجداد، نحو عالمٍ يتّسع للجميع تحت راية السلام والاحترام المتبادل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة