د. قاسم بن محمد الصالحي|
في زمنٍ تماهت فيه الجغرافيا، وتراجعت الحدود أمام موجةٍ كاسحةٍ من الاتصال العابر للثقافات، ولد قطبٌ عالميٌّ جديد لا تصنعه الدول ولا تتحكم به المؤسسات، بل تشكّله أنامل المستخدمين وأصواتهم العابرة للمنصات. إنه فضاءٌ رقميٌّ بلا ضابط ولا جدار، تتشكل فيه الحقائق أحيانًا، وتُغتال فيه النيات أحيانًا أخرى، بين منشورٍ عابرٍ أو تعليقٍ انفعالي أو ترجمةٍ مغلوطةٍ لمشهدٍ من فعاليةٍ ثقافيةٍ أو مهرجانٍ سياحي.
لقد غدت السرديات المزيفة سلاحًا جديدًا في يد من يتقنون اللعب بالعواطف الجماعية، يحوّلون الخطأ البشري البسيط إلى قضيةٍ كبرى، والقرار الإداري الحسن النية إلى مؤامرةٍ مفتعلة، وكل ذلك باسم “حرية الرأي” أو “حق الناس في المعرفة”. لكنّ الحقيقة أن ما يُمارس في هذه المساحات المفتوحة ليس دائمًا وعيًا، بل كثيرًا ما يكون توجيهًا مقنّعًا يستهدف إرباك المجتمع وإشاعة الشك بين الناس.
وقد سبق الشاعر العماني الكبير أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني – رائد الكلمة الواعية في زمنها – إلى التنبيه من هذا الخطر الأخلاقي حين قال:
إذا ما أرادَ اللهُ نشرَ فضيلةٍ
طُويت أتاحَ لها لسانَ حسودِ
فلولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ
ما كان يُعرفُ طِيبُ عَرْفِ العودِ
فالحقائق، مهما حوصرت بضجيج الكذب، تظلّ قادرةً على الظهور، لأنّ الصدق له رائحة لا يطمسها الغبار. والكذب، وإن تحصّن خلف الأقنعة الرقمية، يبقى قصير الحبل، محدود الأجل، لا يصمد أمام نور الوعي وصدق النية.
إنّ أخطر ما في السرديات المزيفة أنها تخلط بين المعلومة والرأي، وبين التفسير والتحريض، فتغدو العقول مرهونةً للعواطف، ويُستبدل الحوار بالاتهام، والتأمل بالانفعال. فكم من صورةٍ أُخذت من غير سياقها، أو تصريحٍ قُطع من منتصفه، أو مشهدٍ بريءٍ حُمّل ما لا يحتمل، ثم جرى تداوله على أنه “دليلٌ قاطع” على خطأ أو إساءة! هكذا تُبنى الأكاذيب في عصر السرعة: من نصف جملة، ومن ربع نية، ومن عُشر وعي.
وإذا كان “القطب العالمي الجديد” اليوم لا يُدار من العواصم بل من الهواتف، فإنّ الوعي هو درعنا الوحيد في مواجهة هذا السيل. وواجب كل مواطنٍ ومثقفٍ وإعلاميٍّ أن يتثبّت، وأن يتأنّى قبل أن يشارك أو يعلّق أو يترجم. فالكلمة في هذا العصر لم تعد وسيلة تواصل فحسب، بل أصبحت أمانة وطنية وأخلاقية.
وحين نضع الكلمة في موضعها الصحيح، ونفهم الصورة ضمن سياقها، نكون قد حَمينا وعينا الجمعي من الانزلاق في فوضى التفسير وسوء النية. أما حين نتهاون، فإننا نمنح الكذب فرصةً ليُعيد تشكيل الواقع على هواه.
وفي ختام القول، يبقى الدرس الأهم أن الحق لا يحتاج إلى صخبٍ كي يُثبت نفسه، وأنّ الزمن، وإن طال، كفيلٌ بكشف ما غُيّب. فكما قال البهلاني في بيتٍ آخر يحمل جوهر الحكمة:
إذا اشتبهتْ طرقُ المعالي على امرئٍ
ففي الصدقِ مفتاحُ النجاةِ المجرّبِ
فلنكن صادقين مع أنفسنا قبل أن نكون صادقين مع الآخرين، ولنتذكّر دائمًا أن: حبل الكذب قصير، وإن طال ظلّه في فضاء العالم الجديد.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة