مقال| حين يتكلم الراحلون عن السلطة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

يُدهشك أحياناً أولئك الذين يغادرون مواقعهم، كيف تتبدّل لغتهم فجأة، فيصبح خطابهم مزيجاً من الشكوى والمفاخرة، وكأنهم اكتشفوا بعد الرحيل أنهم وحدهم كانوا يحملون مفاتيح الإصلاح، وأنّ الأرض ما أزهرت إلا بفضل سقيهم، وأنّ الناس لم يتحركوا إلا بإشارتهم. تسمعهم يقولون: أنا فعلت، وأنا طوّرت، وأنا جلبت، وأنا علّمت، حتى تكاد تظن أن الشمس كانت تشرق من بين أيديهم وتغيب خلف قراراتهم.

لكنّ الأوطان، في حقيقتها، لا تبنى بـ”الأنا”، بل بـ”نحن”، ولا تنهض بإرادة فردٍ مهما بلغ علمه أو سلطته، بل بجموعٍ من السواعد والعقول التي تؤمن أن الخير لا يصنعه شخص، بل تصنعه منظومة من الإخلاص والعطاء. في عمان، هذه البلاد التي علّمتنا التواضع مع العظمة، نعرف أن العمل العام أمانة لا امتياز، ومسؤولية لا مجد شخصيّ.

كم من رجلٍ عُمانيٍ غادر منصبه بصمتٍ، ولم يترك خلفه صخباً ولا لافتاتٍ تحمل اسمه، لكنه ترك أثراً في العقول والقلوب، لأن الناس رأت ثمرة جهده في سكون الطرق، وفي انتظام الخدمات، وفي ملامح التنمية التي تمضي دون أن يعلن أحد أنه صانعها. هؤلاء هم الذين يكتبهم التاريخ في دفاتر النور، بينما يتلاشى من أراد أن يكتب اسمه في عناوين الأخبار.

عندما يتحدث بعض الراحلين عن منجزاتهم وكأنهم وحدهم الذين صنعوا كل شيء، فإنهم ينسون أن عجلة الوطن لا تتوقف بخروج أحد، وأنّ البناء الحقيقي لا يعرف التقاعد، لأن الفكرة الصادقة لا تموت بخروج صاحبها من المكتب، بل تمتدّ بيد من بعده.

في عُمان، نعرف أن التغيير لا يقوم على تمجيد الأشخاص، بل على ترسيخ القيم. وأنّ من يعمل لله ثم للوطن، لا يحتاج إلى منبر ليقول: أنا فعلت، لأن الناس ترى الفعل في أثره لا في خطابه، فالأثر الباقي أصدق من كلّ بيانٍ يُكتب بعد الرحيل.

أجمل ما يفعله الإنسان بعد مغادرته موقع المسؤولية أن ينحني شاكراً، لا متحسراً، وأن يفرح لأن من بعده أكمل المسيرة، لا لأن الأضواء ابتعدت عنه. فالقيمة ليست في أن يقول: كنت هناك، بل في أن تبقى بصمته تُنير الطريق للآتين من بعده.

إننا في مرحلة تتطلب أن نعيد تعريف معنى الخدمة العامة، لا كوجاهةٍ أو سلطةٍ مؤقتة، بل كدورٍ في سلسلةٍ ممتدة من العطاء. فكما قال أحد الحكماء العمانيين: “من بنى في الناس ما يبقى، بقي في الناس وإن رحل”.

من يرحل عن الكرسي ولا يرحل عن خدمة وطنه، يثبت أن المناصب تزول، لكن الرسالة تبقى، وأن الصمت بعد العطاء أبلغ من كلِّ خطاب بعد الرحيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*