مقال| بوصلة المسؤول حين يُختبر في العمل العام

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في دهاليز الإدارة وممرّات القرار، حيث تتشابك المصالح وتتكاثر الضغوط، لا يُختبر الإنسان بشيء كما يُختبر حين يُكلَّف بخدمة وطنه وأبناء مجتمعه. فالمناصب لا ترفع من لا ضمير له، كما لا تُسقط من رسخ في العدل والأمانة. هناك، على مائدة المسؤولية العامة، يتجلّى الصراط المستقيم لا كطريقٍ ديني فحسب، بل كمنهج حياة، يزن القول والفعل بميزان واحد: ميزان الحق.

أن تكون على الصراط المستقيم في العمل العام، يعني أن تُدير الأمانة لا أن تُدير المصلحة. أن تدرك أنّ المنصب تكليفٌ لا تشريف، وأنّ التوقيع على الورق ليس مجرّد إجراء، بل شهادةٌ أمام الله والتاريخ. فالإدارة على الصراط المستقيم تُبنى على المساواة والشفافية، وتُقاس بعدالة القرار لا بعدد القرارات، وتُمارس بروح المسؤول لا بذهنية المتسلّط.

المسؤول المستقيم لا يرى في كرسيّه وجاهةً، بل عبئاً يُحاسَب عليه قبل أن يُكافَأ، ولا يقيس نجاحه بمدى رضا من حوله، بل بمدى صِدقه مع ضميره، وإن خالفته الآراء. يعرف أنّ الحزم لا يعني القسوة، وأنّ التواضع لا يُنقص من الهيبة، وأنّ الإنصاف في القرار أبلغ أثراً من ألف خطاب.

أما العدل، فهو عمود الصراط المستقيم وسرّ استقامة الدول والمجتمعات. عدلٌ لا يُفرّق بين قريب وبعيد، ولا يُخضع الحقوق للمجاملات أو الولاءات، بل يُقيمها على الاستحقاق والجدارة. فالعدل وحده هو الذي يصون الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويحوّل الوظيفة العامة من سلطة إلى رسالة، ومن تكليف إداري إلى عمل وطني.

وفي البُعد الأخلاقي، الصراط المستقيم هو أن تتطابق الأفعال مع الأقوال، وأن يُترجم الخطاب إلى سلوك. المسؤول الأخلاقي لا يحتاج إلى منبرٍ ليُثبت نزاهته، بل إلى مسيرةٍ تشهد له. أخلاقه مرآة ضميره، واستقامته عنوان قراره، فلا يلين أمام ضغط، ولا يساوم على مبدأ.

وفي الاقتصاد، الصراط المستقيم هو التوازن بين النمو والإنصاف، بين الطموح والضمير، بين كفاءة الأداء وعدالة التوزيع. فالمسؤول الذي يسير على هذا النهج يرى في المال العام أمانةً مقدّسة، لا مجال فيها للتجاوز ولا للتهاون. وهو يدرك أنّ كل رقمٍ في الموازنة يحمل وراءه حياةَ إنسانٍ ينتظر، وأسرةً تأمل، ومجتمعًا يتطلع إلى الأفضل.

أما اجتماعياً، فالمسؤول المستقيم هو الأقرب إلى الناس في مشاعرهم وآمالهم، والأبعد عن مظاهر الترف الإداري والانعزال الطبقي. يعيش بينهم لا فوقهم، يسمعهم لا يُملي عليهم، ويُوازن بين ما يُرضيهم وما يُرضي ضميره. فيكون بذلك القدوة التي تُلهم، لا السلطة التي تُرهب.

إنّ السير على الصراط المستقيم في العمل العام هو امتحانٌ دائم بين المغنم والمغرم، بين الأنا والوطن، بين الزائل والباقي. وهو الطريق الذي لا يسلكه إلا من استقامت نيّته قبل أن يستقيم قراره، ومن آمن أنّ المنصب أداةُ بناءٍ لا وسيلةُ وجاهة.

فمن سار في مسؤوليته على الصراط المستقيم – إدارياً وعدلاً وأخلاقاً واقتصاداً واجتماعياً – فقد خدم وطنه بصدق، وترك في الذاكرة العامة أثراً لا يُمحى. لأنّ الأوطان لا تحفظ أسماء المارّين في المناصب، بل تخلّد من ساروا في دربها باستقامةٍ، وعدلٍ، ونقاء ضمير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*