د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليس القرارُ الذي يصدر باسم المجتمع، قراراً مكتمل الحكمة ما لم يُسمع فيه صوت المجتمع ذاته. فالمجالس التشريعية وبيوت الخبرة ليست جزراً معزولة عن الناس، بل هي امتدادٌ لعقولهم وقلوبهم، تُفكر بهم ولهم، وتستمد شرعيتها من حاجاتهم وتطلعاتهم. من هنا، تبرز أهمية أن يشارك مجلس الشورى المجتمع – وخصوصاً الأسر – في القرارات التي تمس حياتهم قبل صدورها، لأن الحوار المسبق بين صانع القرار ومتلقي أثره هو البذرة الأولى للثقة الوطنية.
إن الأسرة في المجتمع العُماني ليست وحدة اجتماعية فحسب، بل هي لبنة النظام القيمي، ومختبر التحولات الصامتة التي تسبق كل أزمة أو نهضة. ولهذا، فإن إشراكها في النقاش حول القرارات ذات الأثر الجمعي، كالقرارات المتعلقة بالعمالة المنزلية، هو أمر يتجاوز بعده الإداري إلى عمقٍ اجتماعي وثقافي لا يقل عن أي قضية وطنية أخرى.
لقد تحوّل ملف العمالة المنزلية إلى مرآة دقيقة تعكس طبيعة العلاقة بين الأسرة والدولة والمجتمع. فهو يمس التربية، والاقتصاد، والأمن الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية في آنٍ واحد.
حين تُقرّ تشريعات جديدة بشأن تنظيم الاستقدام، أو الرسوم، أو الإقامات، أو تحديد أوقات العمل، فإن الأسر هي الطرف الأول الذي يتلقى نتائج تلك القرارات، سواء بارتياحٍ أو بمعاناة.
وكم من قرارٍ حسن النية، جاء ليعالج خللاً اقتصادياً أو سلوكياً، فإذا به يُحدث خللاً اجتماعياً مضاعفاً، لأنه لم يُدرس من منظور الواقع الأسري، ولم تُستمع فيه الأصوات التي تعيش تفاصيل العلاقة اليومية مع تلك العمالة. الأسرة تعلم ما لا يُقال في التقارير، وتشعر بما لا يُقاس بالأرقام، فهي من تتحمل غياب النظام أو قسوته على حدٍّ سواء.
إن إشراك مجلس الشورى للأسر في مثل هذه الملفات ليس ترفاً مؤسسياً، بل هو واجب وطني، لأن القرار العادل هو الذي يُبنى على إدراكٍ شامل للواقع، لا على معادلات جامدة. يمكن للمجلس أن يفتح منصات حوار عامة، أو ينظم جلسات استماع تُعرض فيها تجارب المواطنين، وربات البيوت، وأصحاب المكاتب، والخبراء الاجتماعيين، لتكوين صورة أقرب إلى الحقيقة، وأبعد عن الانطباع.
فحين تُناقش الأسرة القرار قبل صدوره، تتبدّل المعادلة من “ردة فعل” إلى “مشاركة فكرية”، ومن “تذمر بعد التنفيذ” إلى “تعاون في التخطيط”. والمجتمع الذي يُستشار، يصبح أكثر استعداداً لتحمل تبعات القرار، لأنه يشعر أنه كان جزءاً من صناعته، لا مجرد متلقٍ لأوامره.
ولعلنا نتذكر أن الشورى في مفهومها العُماني الأصيل ليست مجرد إجراءٍ برلماني، بل هي ثقافة مستمرة، تمتد من مجلس الأسرة إلى مجلس الدولة، ومن الحوار المنزلي إلى القرار الوطني.. فكما لا يتخذ الأب قرارًا مصيريًا في شأن أسرته دون مشاورتها، لا يليق بالمؤسسات أن تصدر قرارات تمس حياة المواطنين دون أن تُصغي إليهم أولاً.
إن القوانين التي تتعلق بالعمالة المنزلية – أو أي شأنٍ أسريٍ آخر – ليست قرارات فنية فحسب، بل هي خيوط دقيقة تُنسج منها ملامح التماسك الاجتماعي، والكرامة الإنسانية، وحقوق الطرفين معًا.. لذلك، فإن مشاركة الأسر في صنعها تُضفي عليها بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا يمكن أن توفره الأرقام أو التقارير.
في النهاية، تبقى الشورى الحقيقية ليست في قاعةٍ مغلقة، بل في قلب المجتمع المفتوح. وكلما اتسعت دائرة الاستماع، ضاق هامش الخطأ، واتسع أفق الثقة بين الدولة والمواطن. فالمجتمع الذي يُستشار قبل أن يُقرَّر، هو المجتمع الذي ينمو على قاعدة من الوعي المشترك والمسؤولية الجماعية — وهي القاعدة التي تُبنى عليها الأمم الرصينة وتُصان بها القيم الأصيلة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة