مقال| الضواغي في ظفار.. موسم الرزق والهوية

سعيد بن بخيت غفرم|
S.ghafarm@gmail.com

يُعدّ موسم الضواغي في محافظة ظفار أحد أبرز المواسم البحرية التقليدية التي توارثها الأهالي جيلاً بعد جيل، وهو موسم اصطياد سمك السردين (المعروف محلياً بـ”الضواغي”)، ويُمارس سنوياً خلال الفترة من شهر أكتوبر حتى شهر أبريل، حين تزداد وفرة هذا النوع من الأسماك على سواحل المحافظة.

ويعتمد هذا النشاط على العمل الجماعي المنظَّم بين الصيادين، ويتطلّب صبراً ومهارةً وخبرةً متوارثة عبر الأجيال. وخلال مراحل الصيد — من تحديد مواقع تجمع السردين إلى رمي الشباك وسحبها إلى الشاطئ — تتردد أهازيج بحرية وشيلاتٌ جماعية تعبّر عن روح التعاون والحماس الجماعي، وتمنح المشاركين طاقةً تدفعهم لمواصلة الجهد بروحٍ واحدة.

ويواجه موسم الضواغي عدة تحديات طبيعية وبشرية، أبرزها الأمواج العالية التي قد تعيق عمليات الصيد، إلى جانب تزايد العمالة الوافدة التي تؤثر أحياناً على فرص العمل المحلية، وتغير من طبيعة المشاركة المجتمعية في هذا التراث البحري المتوارث.

وقد كان موسم الضواغي من أهم المواسم الاقتصادية والتجارية في ظفار قبل النهضة المباركة، إذ شكّل مصدر رزق أساسياً للعديد من الأسر، وساهم في ازدهار التجارة المحلية المرتبطة بالسمك المملح والمجفف. ولا تزال أسماك السردين تحظى باهتمام كبير من الصيادين والباحثين عن عمل، لما توفره من فرص عمل مؤقتة ومصدر دخل موسمي جيد للأسر خلال فترة الموسم.

وتُختتم عملية الصيد بـجمع الأسماك ونقلها إلى أماكن التجفيف، حيث تُجفف تحت أشعة الشمس، ثم تُستخدم إما للاستهلاك البشري، أو كعلف للمواشي، أو كسماد عضوي للمحاصيل الزراعية، أو تُصدّر للمصانع للاستفادة منها في صناعات مختلفة.

ويُعدّ هذا الموسم جزءاً أصيلاً من التراث البحري العُماني في ظفار، إذ يجسّد روح التعاون بين أبناء المجتمع الساحلي، ويحافظ على تقاليد الصيد القديمة التي كانت ركيزةً للحياة الاقتصادية في المنطقة.

وفي السنوات الأخيرة، حظي موسم الضواغي باهتمامٍ متزايدٍ من الجهات الرسمية والمهتمين بالتراث، حيث يُنظر إليه بوصفه مناسبة ثقافية وسياحية تُبرز هوية ظفار البحرية، وتستقطب الزوار لمشاهدة هذا المشهد التراثي الحي الذي يعكس عمق الارتباط بين الإنسان والبحر في المجتمع الظفاري.

وتستحق هذه الثروة الوطنية اهتماماً أكبر من المؤسسات المعنية، من خلال إنشاء المصانع وتوفير الأدوات الحديثة ودعم الصيادين المحليين، إضافة إلى مراقبة عمليات الصيد وتنظيمها، وتوعية الصيادين بأساليب الصيد المستدامة، للحفاظ على الثروة السمكية وضمان استغلالها بشكلٍ يوازن بين الاقتصاد والبيئة.

وختاماً، فإن موسم الضواغي في ظفار لا يُعد مجرد نشاطٍ بحري موسمي، بل هو رمزٌ للأصالة والهوية الظفارية التي تمتد جذورها في عمق التاريخ البحري العُماني. فهو يجسّد علاقة الإنسان بالبحر كمصدرٍ للرزق والعطاء، ويعكس تعاون المجتمع وتكاتفه في الحفاظ على تراث الآباء والأجداد. ومع استمرار اهتمام الجهات الرسمية والمجتمعية بإحياء هذا الموسم ودعمه، يظل الضواغي حدثاً ثقافياً وسياحياً متجدداً يعزز مكانة ظفار كوجهة بحرية وتراثية فريدة، ويمنح أبناءها فرص عملٍ موسميةٍ تعيد الحياة إلى الشواطئ وتُنعش ذاكرة البحر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*