مقال| النية.. الاقتصاد يبدأ من الداخل

د. قاسم بن محمد الصالحي |

قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهو حديث يؤسس لبوصلةٍ لا تهدي الفرد في عباداته فحسب، بل ترسم أيضًا طريق المجتمعات في مساراتها الاقتصادية والتنموية.. فالنية ليست أمراً باطناً مجرداً، بل هي دافع يحدد شكل العمل وعمقه ووجهته.

ومن معاني الحديث أنه توجيه للإنسان كإنسان، لا يُحصر في فئة دون أخرى؛ فكل من يعقد العزم، شاباً كان أو كبيراً، موظفاً أو صاحب مشروع، رجلاً أو امرأة، يملك أن يجعل من نيته منطلقاً لبناء فعله وإثراء محيطه.. إنها قاعدة شاملة تخاطب عموم الناس، وتحررهم من ضيق الانتظار إلى سعة المبادرة.

واليوم، ونحن نواجه أزمة الوظائف وتقلّص الفرص التقليدية، يبرز معنى الحديث كحل عملي.. فإذا انحصرت نية الشباب في انتظار وظيفة حكومية مضمونة، فقد ضاق الأفق وتوقفت الحركة.. أما إذا صارت النية نحو الإسهام في بناء اقتصاد منتج، فإن نفس اليد والعقل يمكن أن يتحولا من متلقٍّ إلى صانع.

وقد عُرف العمانيون عبر تاريخهم بنواياهم الصافية التي تحولت إلى أعمال جليلة؛ فبها بسطوا تجارتهم في البحار، وأقاموا حضارات ممتدة، وكانوا دعاة للسلام والإعمار. وما أحوجنا اليوم إلى استعادة تلك الروح نفسها: نية صافية تتوجه إلى العمل، لا إلى التذمر.

الدول التي سبقتنا لم تنهض بالموارد وحدها، بل بالنيات التي تحوّلت إلى رؤى، ثم إلى مشاريع اقتصادية حية.. شبابها لم يتذمروا من قلة الفرص، بل وسّعوا دوائرهم: ابتكروا، هاجروا طلباً للرزق، وأعادوا لوطنهم ثمرة جهدهم. النية هنا كانت أوسع من المكسب الفردي، لتصبح شراكة في بناء المجتمع.

في عُمان والعالم العربي، يمكن للجميع أن يجدوا في الحديث الشريف خريطة طريق: أن تتوجه النوايا أولاً إلى خدمة الناس، وحل أزماتهم، وتوليد الأفكار الجديدة. فالمشاريع التي تولد من نيات صافية لإحداث فرق حقيقي، تكون أقدر على الصمود، وأجدر بالاستثمار.

إن «إنما الأعمال بالنيات» ليست قاعدة في العبادات وحدها، بل قانون للحياة كلها: إذا صلحت النية صلح الفعل، وإذا صلح الفعل عمّ نفعه.. ومن هنا تبدأ حلولنا المستقلة لأزمة الوظائف والمشاريع والأفكار الاقتصادية. فغيّر نيتك من انتظار الفرصة إلى صناعتها، وستجد أن الطريق يفتح أمامك، وأن المستقبل أقرب مما تظن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*