مقال | حكايات عُمان المروية: صناعة تجربة سياحية مبتكرة

د. ناصر بن علي الجهوري|
dr.nasser.aljahwari@gmail.com

بين أزقّة قرى جبال الحجر العتيقة، ورمالِ صحارى الشرقية الذهبية، تتردّد همسات الماضي في حكايات أهل عُمان. هنا، كلُّ حجرٍ ووادٍ يحمل قصةً تنتظر أن تُروى للسائح الباحث عن التجربة الحيّة، والمشاهدة، والاندماج مع المكان بكل حواسه. في هذا الفضاء الأصيل يمتزج التاريخ المروي بعبق الطبيعة وروح المجتمع المحلي، ليقدّم تجربةً سياحيةً فريدةً تتجاوز الصور الجامدة، وتفتح الباب أمام رحلة لاكتشاف الذات والآخر عبر حكايةٍ عُمانيةٍ نابضةٍ بالحياة.

يمتلك العُمانيون كنزاً حكائياً يمكن أن يشكل ركيزة استراتيجية لسياحة قائمة على الأصالة والتجربة. كما عبّر (أبو سعيد) في إحدى الجلسات السردية الودية: “حين نحكي قصص آبائنا وأجدادنا للسائح، فإننا لا نقدم له تاريخًا فحسب، بل نمنحه فرصة ليعيش لحظة من روحنا وأصالتنا وهويتنا الثقافية”.

وعند تضافر الرؤية الوطنية مع جهود التنمية السياحية وصون التراث، يتحوّل السرد الشفهي إلى منتج سياحي قابل للتسويق، يمنح الهوية والروح للتجربة السياحية، ويتيح للمجتمعات المحلية الاستفادة المباشرة من عائداتها. إن إدماج التراث في التجارب السياحية يُسهم في صونه وحمايته من الاندثار، ويربط الماضي بالحاضر بأسلوب يجعل السائح يعيش القصة.

يمكن لعُمان أن تقدّم نماذج سياحية مبتكرة عبر مسارات سردية (Story Trails) يقودها رواةٌ مواطنون من أبناء المجتمع المحلي، أو من خلال المجالس الحيّة التي تمتزج فيها الحكايات والقصص والأساطير مع عروض الطعام والألحان العُمانية الأصيلة. كما يمكن تنظيم ورشٍ تعليمية يشارك فيها السائح في صناعة الأدوات التقليدية بينما يستمع إلى قصص الصانع وحكاياته. ويمكن كذلك أن تتحوّل المتاحف إلى فضاءاتٍ تفاعلية تربط بين الأثر والمروي، فتجعل الزيارة أكثر قرباً من الروح، وأغنى بالمعنى والتجربة.

لتعزيز الابتكار في صناعة السياحة المروية، يمكن توظيف التقنيات الحديثة مثل الواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR) لإيجاد تجارب تفاعلية غنية، تمكّن السائح من الانغماس في الحكايات والمواقع التاريخية بطريقة حية وشخصية. يفتح هذا البعد الرقمي آفاقاً جديدة لتوسيع نطاق الوصول، وجذب جمهور أصغر سناً وأكثر اطلاعاً على التقانة، ويحوّل التراث المروي إلى تجربة مبتكرة تجمع بين التعلم والترفيه والارتباط الثقافي العميق.

كما يمكن تحويل الحكايات الشعبية وقصص القوافل والأساطير إلى محتوى إبداعي معاصر، مثل الأفلام السينمائية، والبودكاست الصوتي، والروايات الثقافية، والأعمال الأدبية التي تنقل الروح العُمانية إلى العالم. إن ربط هذه الروايات بالمواقع الأثرية والطبيعية يمنحها صدقية وعمقًا؛ فالحكاية التي تُروى عن قافلة اللُّبان في ظفار تزداد حياة حين تُقدَّم بجوار شجرة لُبان حقيقية، كما تكتسب الأسطورة المنسوجة من جبال الحجر قوة إضافية عند سردها في تضاريسها ذاتها. وهكذا يصبح التاريخ المروي مادةً متجددةً قادرةً على العبور إلى منصّات الثقافة والفنون، وتفتح أمام عُمان آفاقًا لصناعةٍ إبداعيةٍ وسياحيةٍ متكاملة.

لنجاح هذه التجربة، تبدأ الخطوة الأولى بـتوثيقٍ منهجيٍّ شامل، من خلال سجلٍّ وطني يضم النصوص والتسجيلات وخرائط أماكن السرد وأسماء الرواة. يلي ذلك إطلاق مشاريع تجريبية في المناطق الغنية بالتاريخ المروي، تُسهم في بناء قدرات المجتمع المحلي عبر تدريب الرواة والمرشدين ومقدّمي الضيافة. كما يمكن تعزيز هذا الجهد باعتماد استراتيجيات تسويق ذكية ترتكز على الفيديوهات القصيرة، والمنتجات الرقمية، والتطبيقات الصوتية، والخرائط التفاعلية التي تدمج القصة بالمكان والتجربة.

غير أن التحديات ما تزال قائمة، أبرزها خطر تجريد المروي من معناه أو تحويله إلى سلعة تجارية تفقد روحها الثقافية. ولتجاوز ذلك، ينبغي إشراك المواطنين بفاعلية في مراحل التصميم والتنفيذ، ودمج التراث في المناهج التعليمية ليصبح جزءاً أصيلًا من هوية الأجيال الجديدة ووجدانها. كما يمكن قياس مؤشرات النجاح من خلال مستوى مشاركة الرواة، وعدد الزوار المفضلين للتجارب السردية، ومدة إقامة السائح، إلى جانب نمو المبادرات المحلية المعنية بصون التراث واستدامته.

ينبغي أن تكون صناعة السياحة من التاريخ المروي استراتيجيةً تنمويةً تحفظ الذاكرة، وتمنح المجتمعات المحلية مصدرًا اقتصاديًا مستدامًا. يتحقق ذلك عبر تكامل التوثيق، وبناء القدرات، وتصميم منتجات سياحية محترفة، واعتماد حوكمة عادلة تشرك المجتمع وتضمن أصالة التجربة. وعليه، تصبح القصة العُمانية محور التجربة السياحية، فتتحوّل المشاريع الصغيرة الرائدة إلى سياسة وطنية راسخة، حيث يغادر السائح السلطنة وهو يحمل حكايةً يعيشها، ويحكيها، ويعيد من خلالها اكتشاف عُمان في كل مرة يتذكرها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*