مقال | بماذا تمتلئ أنت؟

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمنٍ تتشابه فيه الوجوه وتتكاثر فيه الصور، يبقى الفارق الحقيقي بين الناس خفياً لا تُدركه العين بقدر ما تلمسه البصيرة. فالأشياء -كما تُعلّمنا اللغة- لا تُعرَف بأشكالها، بل بما تحتويه. الوعاء واحد، لكن اسمه يتغير بتغير ما فيه، وكأن في ذلك تذكيراً بليغاً بأن الهوية ليست قشرة خارجية، بل مضمونٌ داخلي يتسرّب إلى كل ما نصنعه ونقوله.

هكذا الإنسان. قد يتشابه مع غيره في الملامح، لكنه يختلف في الامتلاء: امتلاء الفكر، وامتلاء القلب، وامتلاء النية. فمن امتلأ بالخير، بدا ذلك في كلماته قبل أفعاله، ومن امتلأ بالضيق، انعكس ضيقه على كل ما حوله، حتى في أبسط تفاصيل حياته. ذلك أن الداخل لا يبقى حبيسًا، بل يفيض -شاء صاحبه أم أبى- على سلوكه ومواقفه.

في عالمٍ يميل إلى اختزال القيمة في المظهر، يصبح السؤال أكثر عمقاً: ماذا نضع في داخلنا؟. هل نملأ أرواحنا بما يمنحنا اتزاناً في لحظات الاختبار، أم بما يضاعف ارتباكنا حين تضيق الخيارات؟ فليس كل امتلاء نعمة، إن كان بما يثقل النفس ويشوّش الرؤية، وليس كل فراغ نقصاً، إن كان مساحة لإعادة البناء والاختيار.

الناس قد لا يرون حقيقتنا كاملة، لكنهم يلتقطون إشاراتها؛ في نبرة صوت، في موقف عابر، في أثرٍ نتركه دون قصد. وهنا تتشكل صورتنا الحقيقية، لا بما نقوله عن أنفسنا، بل بما يراه الآخرون منا حين لا نحاول التجمّل.

لذلك، لا يكفي أن نحسن الظهور، بل الأهم أن نحسن الامتلاء. أن نختار بعناية ما نغذي به عقولنا وقلوبنا، لأن ما في الداخل هو الذي يحدد اتجاه الخارج. وفي النهاية، لن يُسأل الإنسان كيف بدا، بل ماذا حمل في داخله.. وماذا ترك خلفه من أثر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*