مقال | على حافة الماء.. حين يكتب المضيق سيرة العالم

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في ذلك الفاصل الدقيق بين زرقةٍ هادئة وصخبٍ خفي، يقف مضيق هرمز كراوٍ لا يُرى، لكنه يكتب الحكاية كلها. لا يتكلم، لكنه يُفهم؛ لا يتحرك، لكنه يُحرّك ما حوله.

كانت السفن تعبره كما تعبر الأفكار رؤوس القادة: محمّلة بالثقل، مترددة أحيانًا، وقلقة دائمًا. كل موجةٍ فيه تحمل همسًا، وكل تيارٍ يخفي قرارًا لم يُتخذ بعد. لم يكن البحر مضطرباً، لكن القلوب التي تنظر إليه كانت كذلك.

في الليل، حين تخفت الأضواء، يقترب العالم من حافته. لا أحد يجرؤ على القفز، لكن الجميع يتقدم خطوةً إضافية، فقط ليرى كم هو عميق السقوط. هناك، عند تلك الحافة، لا تُطلق المدافع، بل تُطلق الرسائل. رسائل صامتة، تُقرأ في أسعارٍ ترتفع، وفي طرقٍ تتبدل، وفي أعينٍ تراقب الأفق بقلقٍ مكتوم.

المضيق لا يُغلق.. لأنه يعرف أن الإغلاق نهاية الحكاية، بينما هو مولعٌ بالبدايات المعلقة. يحب أن يترك الباب موارباً، أن يجعل العالم في حالة انتظار، أن يُبقي السؤال أكبر من الجواب.

وفي كل مرة يقترب فيها أحدهم من إشعال الشرارة، يتراجع ظلٌ خفي، كأن المكان نفسه يرفض أن يتحول إلى رماد. كأن الماء يهمس: “اقتربوا.. لكن لا تعبروا الخط الأخير”.

هكذا تُدار الحكاية؛ لا بانفجارٍ كبير، بل بتوترٍ مستمر. لا بحسمٍ قاطع، بل باقترابٍ محسوب. فالمكاسب لا تولد من السقوط، بل من الوقوف الطويل على الحافة.

وفي النهاية، يبقى المضيق وحده، شاهداً لا يشيخ، يراقب العالم وهو يتعلم درساً قديماً: أن أخطر ما في الأزمات.. ليس وقوعها، بل القدرة على الاقتراب منها دون أن تقع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*