د. قاسم بن محمد الصالحي|
العقل يرسم الطريق، والعاطفة تمنح القرار روحه، وبين الاثنين، تتجلى التجربة العُمانية في إدارة الأزمات بثباتٍ ووعيٍ ومسؤولية.
في لحظات الأزمات، تتكشف ملامح الشعوب ووعيها. هناك من يندفع بردّة الفعل، وهناك من يتأنى بالفعل الراشد. وفي المشهد العُماني، يتجسد التوازن النادر بين حكمة القرار ودفء التفاعل الشعبي، بين صوت العقل الذي يخطط، وصوت العاطفة الذي يحتضن ويشارك.
فالأزمة ليست حدثاً طارئاً بقدر ما هي اختبار لعلاقة الدولة بالمجتمع؛ كيف يُدار القرار، وكيف يُستقبل في الميدان.. حين اجتاحت الجائحة العالم، لم يكن الهدوء العُماني سكوناً، بل عقلاً واعياً يقرأ المشهد دون تهور، ويقوده بتوازنٍ لا يعرف الانفعال.. وحين جاءت السيول والمناخ القاسي، تحوّلت العاطفة الوطنية إلى فعلٍ ميداني منظم، تجسّد في التعاون والتكافل لا في التوتر أو الارتباك.
حتى في القضايا التنموية الحساسة كفرص العمل وتمكين الشباب، لم يكن القرار منفصلًا عن نبض الشارع، بل كان تفاعلاً حيّاً بين العقل الإداري والعاطفة المجتمعية، حيث استمعت الدولة، وتفاعل المواطن، فصار التحدي مشروعاً مشتركاً لا معركة متقابلة.
لقد أثبتت التجربة العُمانية أن العقل بلا عاطفة يُنتج قراراً بارداً، والعاطفة بلا عقل تُنتج فوضى حسنة النية. أما التوازن بينهما، فهو ما يجعل القرار حكيما في صياغته، وإنسانيًا في تطبيقه، وقادرًا على أن يجد في المجتمع صدى يشبهه.
وفي ميدان الأزمات، يتبدّى هذا التوازن في أوضح صوره:
العقل يضع الخطط والبدائل، والعاطفة تُلهم الناس بالثقة والعزيمة.. وحين يلتقي الاثنان، يتحول القرار من “نصٍ إداري” إلى قناعة وطنية مشتركة، ويصبح المجتمع ذاته هو الشريك في التنفيذ، لا المتلقي للأوامر.
إنّ إدارة الأزمات في عُمان ليست إدارة موقفٍ عابر، بل نهج حياة، قوامه الحوار والتوازن والاحترام المتبادل بين الدولة والمجتمع، فالعقل العُماني لا يفصل عن العاطفة، والعاطفة لا تنفصل عن الوعي، ومن هذا اللقاء المتزن، تولد الثقة التي تجعل الميدان العُماني نموذجا في القدرة على تحويل كل أزمةٍ إلى فرصة، وكل تحدٍ إلى بداية جديدة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة