د. قاسم بن محمد الصالحي|
بين الأرض والهوية، يكتب الظفاريون درساً للحياة في كل خطوةٍ من خطواتهم. في ظفار، للكلمة روح، و”الخُطلة” ليست مجرد لفظٍ عابر، بل حكاية تتكرر مع موسم الصرب، تحمل بين حروفها تجربةً إنسانية عميقة، وتجسيداً لصيرورة الحياة بين الإنسان والأرض.
أصل الكلمة، كما يقول العارفون في الجنوب، يعود إلى فعل عربي قديم يعني “الحركة والانتقال”، لكنها عند الظفاريين تحوّلت إلى مفهوم أوسع: رحلة رعيٍ موسمية تفيض بالمعنى.
حين يبدأ موسم الصرب، تتحرك القلوب قبل الأقدام، فتنطلق الإبل نحو المراعي، وتبدأ الخُطلة؛ رحلة ليست فقط لمسافة جغرافية، بل عبورٍ نحو حياة جديدة، تتجدد فيها الأرض ويستعيد الناس عهدهم مع الطبيعة. وفي هذه الرحلة يقرأ الراعي الأرض بعيون خبيرة، يعرف مواقع الماء، ويقدّر مواسم العشب، لأن الخُطلة عندهم ليست مجرد مسيرٍ، بل فنّ من فنون الحياة.
الخُطلة تحمل دلالات تتجاوز الرعي؛ فهي طقس اجتماعي ووعي بيئي، اجتماع القبائل، وتشارك اللحظات، وتبادل الخبرات، كلها جزء من هذا الموسم، الذي يجعل من الصبر عنواناً، ومن المشقة درباً إلى الخير. إنها سيرة المكان والزمان، ورمز للارتباط بالهوية والذاكرة، حيث يلتقي الإنسان بالتراث في لحظة حضورٍ لا تُنسى.
وهكذا، تبقى الخُطلة في الوجدان الظفاري أكثر من مجرد رحلة رعي؛ إنها مدرسة للصبر، وسيرة للارتباط بالأرض، ودعوة دائمة لتجديد العهد مع الطبيعة. ففي صمتها حكاية، وفي خطواتها معنى، وفي موسمها درس للحياة.
وفي ختام القول، تبقى الخُطلة دعوة لكل من يسعى في حياته؛ أن يرى في كل رحلة فرصة، وفي كل خطوة معنى. أن تكون الطريق ليس هدفاً فحسب، بل مدرسةً للتجدد، وأن يكون الإصرار على المضي إلى الأمام من مبدأ الحياة نفسها. كما يفعل الظفاريون في موسم الصرب، حين يجعلون من الخُطلة مشهداً للتواصل مع الأرض، وحواراً صامتاً مع التاريخ، واحتفاءً بالهوية. لعلنا نجد في روح الخُطلة، درساً نحتاجه اليوم: أن نخطو في واقعنا بخطى صادقة، لا تنكفئ أمام التحديات، بل تستمد قوتها من الأرض ومن إرادة الحاضر لبناء غدٍ أفضل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة