مقال | الخطلة.. رحلة الإبل وموسم الصرب

سعيد بن بخيت غفرم|

📧 S.ghafarm@gmail.com

مع أول خيوط الشمس التي تعانق قمم جبال ظفار، يبدأ موسم الصرب، إيذاناً بانطلاق رحلة سنوية تُعرف باسم “الخطلة”. رحلة ليست مجرد انتقال للإبل من السهول إلى الجبال، بل طقس متجذر في وجدان الإنسان الظفاري، يعكس تلاحمه مع الطبيعة وإرثه العريق.

في اللغة الشحرية، تعني “الخطلة” ارتحال الإبل من السهول الساحلية إلى بطون الأودية والجبال، بعد أن تقضي ثلاثة أشهر في السهل خلال موسم الخريف. في يومها الموعود، يتأهب الرعاة مع إبلهم، محملين بالأمتعة ومرتدين اللباس التقليدي، في موكب يقسم فيه الرجال أنفسهم إلى مجموعتين؛ الأولى تتقدم القطيع، والثانية تحيط به حماية ورعاية. ويتوقفون بين الفينة والأخرى بحثاً عن أطيب المراعي، في انسجام فريد بين حاجة القطيع ورحابة الطبيعة.

يشكل موسم الصرب محور حياة الرعي في ظفار، إذ تعود المواشي إلى مراعيها الغنية بعد أمطار الخريف، فتدر الحليب الطازج ويُصنع منها السمن والألبان، بما يعزز اقتصاد المعيشة ويقوي أواصر المجتمع.

تلعب النساء دوراً مهماً في تحضير الطعام والحليب والمنتجات التقليدية، بينما يتعلم الأطفال فنون العناية بالإبل وأسرار الاعتماد على النفس، لتستمر دورة الحياة الرعوية عبر الأجيال.

وتحمل الخطلة في مضمونها بعداً اجتماعياً وروحياً، فهي مناسبة يتجدد فيها التواصل بين الرعاة، ويتعاونون على مشاق الطريق، ويتبادلون العون والمساندة. وعند محطات الاستراحة قرب موارد الماء أو ظلال الأشجار، يصدحون بالأهازيج والابتهالات التي تمجد الخصب والعطاء، فتصبح الخطلة طقساً جماعياً يعمّق روح التعاون ويجدد صلة الإنسان بأرضه ومجتمعه.

وتتميز الخطلة بالجانب الاحتفالي، إذ ترافقها الفنون الشعبية مثل النانا والدبرارات والمشعير. تتحول الليالي إلى جلسات سمر حول نار المخيم، بينما تتلألأ النجوم فوق الأودية، وتُروى الحكايات القديمة وتُتداول القصص التي تحفظ ذاكرة المكان.

وختاماً، إن “خطلة الإبل” ليست مجرد رحلة رعوية، بل لوحة تراثية حية توحد القلوب وتوثق علاقة الإنسان بأرضه، وتبقى رمزاً لهوية ظفار الأصيلة. فالخطلة ليست مجرد رحلة؛ إنها نبض حياة ظفار وتراثها الذي يجب أن يبقى حياً، ومن واجب الأجيال أن تصون هذه العادة وتعرف العالم بها، لتظل شاهداً على حضارة رعوية ضاربة الجذور ووشيجة عميقة بين الإنسان والطبيعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*