مقال | الميدان مرآة المنجز والشراكة وعد المستقبل

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في حياة الشعوب، لا ينهض وطن إلا حين تتكامل إرادة الدولة مع وعي المواطن. وإذا كان للمسؤولين دور في التخطيط والتنفيذ، فإن للمواطن دور لا يقل أهمية في المشاركة والالتزام، حتى تتحول الرؤية إلى واقع حيّ يلمسه الجميع.

إن رؤية عُمان 2040 التي أرادها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، لم تُصغ لتبقى حبراً على ورق، وإنما لتكون مشروعاً وطنياً جامعاً، يستدعي تضافر الجهود، وتلاقي الأفكار، وتكامل الأدوار. فهي ليست مسؤولية الحكومة وحدها، ولا هي واجب المواطن منفرداً، بل هي عقد شراكة يقوم على الثقة المتبادلة، والإيمان بأن البناء لا يتم إلا بيدين تعملان معًا.

الميدان هو الامتحان الحقيقي؛ فيه تُختبر الخطط، وتُقاس الوعود بما تحقق من إنجازات. وحين يرى المواطن مشروعًا يكتمل في وقته، كافتتاح طريق يربط بين ولايتين ويختصر المسافات، أو محطة كهرباء جديدة تنير البيوت والقرى، أو خدمة رقمية تختصر عناء الطوابير في دقائق عبر الهاتف، فإنه يدرك أن الرؤية تتحقق أمام ناظريه، فيقل تذمره ويزداد رضاه.

ولذلك، فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه المسؤول هو أن يجعل من الإنجاز لغة التخاطب مع الناس، وأن يجعل من الميدان مرآةً لصدق عمله. وأعظم ما يمكن أن يقدمه المواطن هو أن يتعامل بروح الشريك لا بروح المتلقي، فيحافظ على ما يُنجز، ويشارك بفكره وجهده فيما يُخطط.

وقد أثبت الشباب العُماني ذلك مراراً، حين ابتكروا في التكنولوجيا والبيئة، ووجدوا في الدولة شريكاً داعماً. وأثبتت القرى التي اجتمعت على مبادرات محلية، أن الروح الجماعية يمكن أن تحوّل فكرة صغيرة إلى واقع كبير. إنها قصة عُمان في أبسط معانيها: كل فرد يضيف لبنة، وكل مسؤول يرسم خطًا، حتى تتكامل الصورة.

إن الطريق إلى 2040 ليس معبّداً بالآمال وحدها، بل بالفعل والإصرار، وبالعمل المشترك الذي تتلاقى فيه عقول المسؤولين مع طموحات المواطنين. وعندها، لن يكون الميدان مرآةً للمنجز فقط، بل سيكون شاهدًا على أمةٍ تمضي بخطى واثقة نحو مستقبل يليق بتاريخها وأصالتها.

وهكذا يتضح أن الميدان ليس مجرد تراب تُشيّد فوقه المشاريع، بل هو مرآة تُظهر صورة الوطن كما هي: بجهد مسؤوليه، وبإخلاص أبنائه، وبحوارٍ مفتوحٍ لا يعرف الإقصاء. وفي هذا الميدان يلتقي صوت الدولة مع نبض المواطن، فتتشكل سيمفونية عُمانية فريدة، عنوانها الوسطية، وروحها الشراكة، ورسالتها إلى العالم أن البناء الحقيقي يبدأ من الإنسان وإليه يعود.

إن الشخصية العُمانية، بوعيها وتسامحها، تطل اليوم كجسرٍ حضاري يعبر به العمانيون نحو الغد، مستضيئين برؤية 2040، ومسترشدين بوصايا التاريخ وتجارب الأجداد. وفي هذا الجسر الرمزي تتلاقى خطوات الحكومة والمجتمع، فلا يسير أحدهما وحده، بل يتكاملان ليكونا صورة لعُمان التي لا تكتفي أن تكون شاهدة على زمنها، بل صانعة له.

فليكن الميدان مرآةً نرى فيها أنفسنا، لا بما تحقق فقط، بل بما يمكن أن يتحقق إذا آمنا أن الحوار أساس القوة، وأن الوسطية سبيل العبور، وأن الشراكة هي الوعد الذي يليق بوطن بحجم عُمان.

كما قال شاعر الحكمة:

إذا غرسوا غراسا في ثرى الأرض أزهرتْ

فكيف إذا غرسوا القلوب على الوفا؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*