ملاك الإبل ينقلونها في مجموعات من السهول ومناطق خلف الجبال إلى أماكن الرعي
صلالة – وجهات|
مع بدايات شهر أكتوبر من كل عام، ومع نهاية فصل موسم الخريف، يبدأ فصل آخر، وهو موسم الصرب، ومع بداية هذا الموسم يتكرر المشهد السنوي حيث اعتزاز مربو الإبل بقطعان إبلهم، وهم يسوقونها بعد انقشاع ضباب الخريف، يقطعون وديان الجبال صعودا إلى مرتفعاتها، شيوخاً وشباباً، يتغنون بصوت حدائهم للإبل التي ظلت فترة موسم الخريف في السهول بعيداً عن الأمطار وحفاظاً عليها من الانزلاق في التربة المشبعة بمياه الموسم الماطر.
موروث وثقافة اجتماعية

مشاهد الإبل وهي في طريقها إلى أعالي الجبال يُطلق عليه محليًّا في محافظة ظفار اسم “خطلة الإبل”، وهي موروث وثقافة اجتماعية يحرص عليها رعاة الإبل مع بدايات بشائر موسم “الصرب”، وتمثل موسم الرعي الربيعي، حيث يقوم فيه ملاك الإبل بنقلها في مجموعات من السهول أو مناطق خلف الجبال إلى أماكن الرعي التي يصعب فيها الرعي مع بداية موسم الخريف، مرددين عددًا من الفنون التقليدية المغناة منها ” النانا، والدبرارت، والمشعير”، وتصاحبها بعض العادات الاجتماعية القديمة.

ويجتمع أهل المشورة وكبار السن للاتفاق على تحديد يوم “خطلة الإبل”، وتبدأ بعد اتفاق أصحاب الإبل كلٌ في منطقته، وفق سنن العُرف، ويظهر من خلالها التعاون للوصول بالإبل إلى مَبارِكها (مواضع جلوس الإبل)، ويتحلقون حول النار ويبيتون حولها في مجموعات تُسمى “مُجُّل” ومفردها “مجلُّت”، لتأتي كل مجموعة بإبلها الحلوب لتبرك قرب النار بحيث يستطيعون الوصول إليها إذا أرادوا حلبها، وجرت العادة على أن تُحلب كل الإبل في وقت واحد.
جانب اجتماعي

وعادةً ما يستقبل ملّاك الإبل الضيوف من مختلف مناطق المحافظة وخارجها الذين قدموا مستبشرين بهذه العادة السنوية، وتُظهر “خطلة الإبل” جانباً اجتماعيًّا عند أصحابها، الذين يلتقون بعد فترة انقطاع للحديث عن فترة الرعي التي امتدت لمدة ثلاثة أشهر في السهول والوديان، إذ تضرب هذه الخطلة موعداً مع الجميع للحضور واللقاء.
ويبتعد مع بداية موسم الخريف أصحاب الإبل إلى المناطق الأقل تأثراً بالخريف سواءً كانت في القطن أو السهل؛ حفاظاً على المراعي والإبل من خطورة الطرق أو الانزلاق، وعندما يوشك الخريف على الانتهاء يقترب أصحاب الإبل إلى مناطق ظل المطر استعداداً “للخطلة”؛ بهدف التقليل من استخدام الأعلاف الحيوانية.

وعندما يتوقف المطر ومع بشائر موسم “الصرب”، يتأكد أصحاب الإبل من جفاف التربة في الجبل، لتبدأ “خطلة الإبل” إلى الشعاب والأودية التي توجد بها الأشجار المحلية ومن أهمها المشط العربي “الصغوت” وغيرها من الأشجار الأخرى والنباتات التي تُكسِب الإبل مناعة وصحة. و”خطلة الإبل” مرتبطة ببقاء المرعى وظروف أصحاب الإبل قد تكون شهراً تزيد أو تقل، وبعد ذلك يعود كلٌ منهم إلى موقعه الذي يسكن فيه بقية العام.
أعراف اجتماعية وقوانين
و”للخطلة” أعراف اجتماعية وقوانين، حسب السكان، حيث يتمسك بها كل رعاة الإبل، إذ لا تتجه الإبل إلى الوديان إلا بعد انتهاء تساقط الأمطار وجفاف الأرض؛ بهدف الحفاظ على الغطاء النباتي ليتم بعد ذلك تحديد موعد انطلاقها، ويُبلغُ بها الجميع ويتجه كل قطيع إلى المكان المعروف “للخطلة”.

ويبدأ رعاة الإبل بالاستعداد المسبق من خلال تجهيز (المبارك) وهي أماكن إقامة الإبل، وتوسيع مسارات الرعي التي تأثرت بفعل الأمطار، وتسرح الإبل لترعى في أكناف الطبيعة بين الوديان والغابات الخضراء، ويتبعها الرعاة مستبشرين بشروق شمس “الصرب”، وتمثل رحلة سَوقَ الإبل إلى الجبال “بالممتعة”؛ لما يتخللها من المبيت في الأودية بعيداً عن ضجيج المدن، حيث تُشعل مواقد النار ليلاً وسط هدوء الريف الذي يتخلله رزيم الإبل، والاستماع لحكايات كبار السن وقصصهم.

وتنقل “خطلة الإبل” صورة أخرى من مشاهد الموروث الضارب بجذوره عبر التاريخ العُماني، لتروي للأجيال في الحاضر تجارب الأجداد وتنقل صورة حيّة لطبيعة الحياة في الماضي حول علاقة الإنسان بأرضه وتكييفه مع ظروف البيئة وطبيعتها في جميع فصول السنة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة