د. ناصر بن علي الجهوري|
dr.nasser.aljahwari@gmail.com
أضحى التحول الرقمي اليوم خيارًا استراتيجياً وضرورة ملحة، تفرضها متطلبات الثورة الصناعية الرابعة وما تحمله من تقنيات حديثة، كالذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وسلاسل الكتل، والحوسبة السحابية. ومع هذا التقدم المتسارع يظل الإنسان المرتكز الأساسي، فكل ابتكار يكتسب قيمته الحقيقية من تعزيز جودة حياته ورفاهيته وتمكينه.
والتحول الرقمي في جوهره استجابة لاحتياجات الأفراد والمجتمعات. فالتعليم الإلكتروني، والهوية الرقمية، والخدمات الذكية صممت لتسهيل تفاصيل الحياة اليومية. تشير تقديرات الأمم المتحدة لعام 2023 إلى أن أكثر من 65% من المقيمين في الدول الرائدة في الرقمنة يعتمدون على الخدمات الذكية يومياً، ما يؤكد أن معيار النجاح الحقيقي لا يقاس بحجم الاستثمارات التقنية، بل بمدى استفادة الإنسان منها. يقول المهاتما غاندي: الغاية من التقدّم ليست في امتلاك الأدوات، بل في استخدامها لخدمة الإنسان.
نجاح هذا التحول يتطلب وعي الإنسان والمجتمع وثقتهم. وهنا تبرز أهمية الثقافة الرقمية وصقل المهارات الفردية، ليصبح الإنسان شريكاً حقيقياً في المسيرة الرقمية. وقد أشار المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن نصف العاملين حول العالم سيحتاجون لإعادة تأهيل مهاراتهم في عام 2025 لمواكبة متطلبات الاقتصاد الرقمي، مما يؤكد أن الإنسان ليس متلقياً للتقنية فقط، بل صانعاً وموجّهاً لمسارها.
يحمل التحول الرقمي فرصاً واسعة لتعزيز الإنتاجية وتحسين جودة الحياة، لكنه يواجه في المقابل تحديات جوهرية تشمل الخصوصية، وأمن البيانات، واتساع فجوة المهارات. إذا لم تُواكب هذه الثورة التقنية بسياسات وأطر أخلاقية، فقد تتحول التقنية إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء، وتظهر مخاطر مثل البطالة التقنية، وهيمنة الخوارزميات على القرارات المصيرية بما يُعرف بـالاستبداد الخوارزمي، إضافة إلى اتساع فجوة العدالة الرقمية بين المستفيدين والمقصيين عن التقنية.
ومن هنا تتضح الحاجة لوعي استباقي وسياسات عادلة تضمن أن يبقى التحول الرقمي مشروعاً إنسانياً شاملاً، يضع الإنسان في قلب مساره، ويحول المخاطر إلى فرص للنمو والتمكين، كما تؤكد منظمات دولية، مثل اليونسكو على ضرورة إدارة الذكاء الاصطناعي بما يحفظ الحقوق ويعزز العدالة والتنمية المستدامة.
تُظهر التجارب العالمية أن النجاح الرقمي يبدأ بالاستثمار في الإنسان. فسنغافورة لم تصل إلى ريادتها بفضل البنية الأساسية المتقدمة فحسب، بل من خلال التعليم وتمكين العقول الوطنية. وقصة الشاب السنغافوري الذي كان عاملاً بسيطاً في شركة الاتصالات وأصبح لاحقاً مطوراً للأنظمة الذكية بفضل برامج إعادة التدريب، تؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو مفتاح التحول الرقمي الحقيقي.
وعلى المستوى المحلي، تضع رؤية عُمان 2040 بناء الإنسان العُماني المتسلح بالعلم والتقنية محوراً رئيسياً للتحول الرقمي، باعتبار التنمية الرقمية وسيلة للتمكين والازدهار لا غاية بحد ذاتها. وفي هذا الإطار، دشنت سلطنة عُمان مؤخراً برنامج “ارتقاء” تحت إشراف وزارة النقل والاتصالات، بالشراكة مع مؤسسات خبرة وطنية وعالمية، لتمكين الكفاءات العُمانية من قيادة التحول الرقمي الحكومي، وبناء المنصات الرقمية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الابتكار المؤسسي بما يضمن استدامة التنمية الرقمية ويضع الإنسان في قلب هذا التحول. وأكد سعادة الدكتور علي بن عامر الشيذاني وكيل وزارة النقل والاتصالات للاتصالات وتقنية المعلومات، أن الإنسان هو محور التحول الرقمي.
ويستخلص مما سبق الأهمية القصوى ليبقى الإنسان البوصلة الحقيقية لكل تحول رقمي. فالتقنية أدوات، والأنظمة مراحل، أما الغاية فهي الإنسان بكل مقدراته، وكرامته، وقدراته، ومشاركته، ومستقبله. فالتحول الرقمي بلا إنسان واعٍ ومتمكّن يظل بلا روح، وأعظم إنجاز هو أن نبني إنساناً أكثر إدراكاً، قادراً على الإبداع، وقوياً في مواجهة تحديات المستقبل. ومن هذا المنطلق، يجب على الجميع استثمار برنامج “ارتقاء” والاستفادة القصوى منه لتعزيز مهارات الكفاءات العُمانية، وقيادة التحول الرقمي نحو مستقبل مستدام يضع الإنسان في قلب كل مسار.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة