حمد بن محمد المحرزي| كلية عُمان للسياحة
نختتم هذه السلسلة لنسلط الضوء على أهم الجوانب المعرفية والوجدانية والسلوكية التي تساهم تجارب التعلم الحر في مواقع التراث الطبيعي والثقافي في تعزيزها ايجابياً، وربطها بتوصيات عملية لتعزيز تجارب الزوار. تُجمع الدراسات على تجارب الزوار في مثل هذه المواقع إلى أنه يمكن توظيف تجارب التعلم الحر إلى المساهمة الإيجابية في تعزيز المعرفة والتي سوف تساهم في خلق مواقف وسلوكيات إيجابية، كل نقطة من هذه النقاط تشير إلى مفاهيم فلسفية لديها انعكاسات سلوكية على الزوار في اثناء وبعد التجارب السياحية التعليمية في مثل هذه المواقع، وسوف يتطرق الجزء الأخير من هذا المقال لنقاش كل نقطه على حدة.
يمكن الإجماع بأن التفسيرات في هذه المواقع ليست مجرد فرص تعليمية منعزلة، ولكنها تتيح إيصال المعلومة الثقافية أو التاريخية أو البيئية وتساهم في خلق معرفة جديدة، أو تعديل معرفة مغلوطة، أو خلق ارتباط معرفي-حسي بالمكان والزمان للموقع، يساهم في الشعور الوجداني بالمكان وخلق دهشة تحفز الادراك وتساهم في تعزيز المسؤولية الفردية والجماعية للحفاظ على المكان أو السلوك أو الإرث الحضاري. عليه، من المهم أن يكون البناء المعرفي المقدم في هذه المواقع تراكمياً وذا رسالة واضحة، على سبيل المثال، في مواقع التراث العماني، هناك قيم كثيرة يمكن أن يتم تعزيزها من خلال هذه التجارب، أخص منها هنا قيمة العمل لدى أسلافنا العمانيين، حيث أرتبط الفرد العماني بالمكان من خلال تطويع عناصر البيئة لخدمة الإنسان، ولم يأنف العماني على مدى التاريخ من العمل في أية مهنة أو مجال، يساهم في بناء الحضارة والمكان والإنسان.
فيما يتعلق بالمواقف والسلوك فإن التجارب السياحية في هذه المواقع سوف تساهم في خلق موقف أو سلوك فردي أو جماعي إيجابي من خلال رفع المستوى المعرفي بشكل ترفيهي يساهم في توجيه المواقف أو الآراء الفردية والجماعية نحو سلوك إيجابي مستدام. على سبيل المثال، زيارة مواقع المحميات الطبيعية أو محميات السلاحف سوف تمكن الزوار من فهم البيئة العماني وأهمية المواقف الإيجابية والسلوكيات المستدامة في الحفاظ على مكونات البيئة العمانية، وعليه تعزيز تبني السلوكيات المستدامة للمحافظة على البيئة. وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن الدراسات العلمية تشير إلى التغيير في السلوك بناء على هذه الزيارات قصير المدى، ويجب تعزيزه من خلال التعليم النمطي، والأنظمة التشريعية، والإعلام الهادف، وهنا يأتي الدور التكاملي بين كافة الأدوات الفاعلة في تشكيل الرأي العام نحو قضايا الاستدامة البيئية والثقافية على حد سواء.
ختاماً، توفر مواقع التراث الثقافي والبيئي العماني فرصاً عديدة لمختلف المؤسسات من الاستفادة منها في رفع الوعي العام بقضايا البيئة والمواطنة والهوية العمانية، والتي يمكن أن تساهم بشكل مؤثر في الحفاظ على الهوية والبيئة العمانية بشكل علمي وحرفي في ظل تحديات العولمة والفضاءات المفتوحة، ويمكن أن يتم العمل على بعض المقترحات والتي أذكر منها:
• في ظل التميز الذي تحقق على مستوى العرض المتحفي المتاحف الوطنية كمتحف عمان عبر الزمان والمتحف والوطني والمتاحف العامة والخاصة الأخرى، من المهم رفع كفاءة المؤسسات المحلية في مجالات تحويل المزارات والمواقع التراثية الثقافية والبيئية لمواقع تعلم حر، بحيث يمكن أن يتم خلق فرق تخصصية تتكامل مع مكاتب أصحاب المعالي والسعادة المحافظين تعمل على تأهيل هذه المواقع لتتيح التعلم الحر القائم على أسس علمية-حرفية، تساهم في خلق معرفة، وتوجيه مواقف وسلوك الفرد العماني إيجاباً نحو القضايا الثقافية والبيئة الوطنية.
• العمل على انشاء إطار وطني معني بتطوير مواقع التراث الثقافي والبيئي، يوجه أسس وأدوات تطوير هذه المواقع لتكون مواقع جاهزة للزيارة من قبل الزوار العمانيين والدوليين على حد سواء، وفي هذا الإطار، يمكن أن يحتوي الإطار على مسارات نموذجيه في تطوير هذه المواقع، وتأطير التكامل بين المؤسسات لضمان سلامة الرسائل المعرفية والحسية والوجدانية التي يتم تقديمها وتفسيرها في هذه المواقع.
• ربط المناهج الدراسية بزيارات ميدانية لمواقع التراث الثقافي والبيئي في كل محافظة أو ولاية ودمجها في أساليب التقييم القائمة في المدراس، لتصبح جزءاً اساسياً ضمن روزمة التعليم النمطي.
• البناء على التميز والتفرد الجغرافي والتراثي والثقافي لهذه المواقع لضمان تجارب فريدة ونوعية لمختلف المواقع تساهم في تكاملية معرفية تعكس التنوع المتناغم في ظل الهوية الواحدة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة