مقال| من عبق التاريخ إلى أفق المستقبل

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في الأعياد الوطنية، تتزين الأوطان بمعانيها قبل ألوانها، وتستحضر ذاكرتها الجمعية قبل احتفالاتها الرسمية، وحين يُراد لهذا المعنى أن يخرج من حدود الجغرافيا، ويُعرَض أمام أعين العالم، فإن الرمزية تصبح أعظم من المناسبة ذاتها. من هنا، يكتسب التكليف السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، لصاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم بترؤس وفد السلطنة في احتفاء اليوم الوطني بجناح عُمان في إكسبو اليابان دلالة أبعد من التمثيل الرسمي، وأعمق من مجرد حضور بروتوكولي.

إنها لحظة سردية بامتياز، تتقاطع فيها سيرة المكان مع حكاية الإنسان، فـ”إكسبو” ليس معرضاً عابراً للابتكارات والمنتجات، بل هو منصة لتلاقي الأفكار، ومرآة يرى العالم فيها كيف تختار كل دولة أن تقدم نفسها: هل بعرض سلعها؟. أم بقصّتها؟. أم بحمل رسالتها الحضارية إلى الآخر؟. وعُمان، وهي التي لطالما حملت إلى العالم رسائلها عبر البحر والبر والكلمة والإنسان، جاءت اليوم لتضع لمستها في أرض الشمس المشرقة، حيث يلتقي الشرق بأقصى تجلياته مع الشرق في مدياته البعيدة.

إن اختيار صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم لترؤس هذا الوفد ليس تفصيلاً صغيراً في دفتر الدبلوماسية، بل هو إشارة بليغة، ففي شخص سموه يجتمع الشباب بالرمزية، والامتداد بالمسؤولية، والخصوصية الوطنية بالتطلع العالمي. هو حضور يشي بأن السلطنة تقرأ العالم بعين جديدة، لكنها تستند إلى جذور ثابتة، لتؤكد أن النهضة المتجددة ليست شعاراً، بل ممارسة تنتقل من جيل إلى جيل.

إن اليوم الوطني في جناح سلطنة عُمان بإكسبو أوساكا اليابان لم يكن مجرد يوم يُرفع فيه العلم ويُعزف فيه السلام السلطاني، بل هو يوم تُستعاد فيه قصة وطنٍ أبى إلا أن يكون حاضراً في قلب المحافل العالمية بهويته الخاصة، لا بذوبانه في سرديات الآخرين. وهنا تكمن الرمزية الأجمل: أن السلطنة تؤكد للعالم أن هويتها ليست نتاج استعراض عابر، بل حصيلة تاريخ متين، ومسار حضاري يوازن بين الأصالة والانفتاح.

ولعل ما يزيد المشهد عمقاً أن المناسبة تأتي في اليابان، تلك الدولة التي تعلّم العالم منها كيف يمكن للحداثة أن تتجذر في التقاليد، وكيف للإبداع أن ينطلق من رحم الانضباط. وهنا يلتقي المعنى بالمعنى: عُمان برسالتها المتسامحة وحكمتها التاريخية، واليابان بتجربتها النهضوية العميقة. إنه لقاء رمزي آخر يضيف إلى هذا اليوم بعداً حضارياً لا يُغفل.

إن الاحتفاء باليوم الوطني في هذا السياق يصبح مرآة يرى فيها العُمانيون أنفسهم في عيون الآخرين، ويشعرون أن وطنهم، برمزيته وشبابه ورؤيته، ماضٍ في مسار واثق، حيث لا تُختزل المشاركة في جناح خشبي أو عرض تقني، بل في صورة وطنٍ كامل، حاضرٍ بهويته، مستعدٍ للمستقبل بثقته.

وهكذا، فإن التكليف السامي لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان رسالة سياسية وثقافية ودبلوماسية، تقول للعالم: “هنا عُمان، بهويتها وقيادتها وشبابها، حاضرة لا تغيب، وراسخة لا تتأرجح، ومتجددة لا تنقطع”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*