د. ناصر بن علي الجهوري|
في عالم اليوم، لم تعد الرياضة مجرد مباريات تُنقل عبر الشاشات أو بطولات تُنظَّم بتكاليف باهظة، بل تحولت إلى صناعة ضخمة تُحرك عجلة الاقتصاد وتعيد رسم خرائط السياحة العالمية.
فقد تجاوزت قيمة السياحة الرياضية العالمية نصف تريليون دولار خلال عام 2023، مع توقعات بأن تصل إلى تريليوني دولار تقريباً في نهاية العقد الحالي، بمعدل نمو مرتفع يجعلها واحدة من أسرع الصناعات صعوداً في العالم. هذه الأرقام تؤكد أن الرياضة لم تعد نشاطاً ترفيهياً فحسب، بل صناعة قادرة على تغيير وجه الدول وفتح أبواب المنافسة الدولية أمامها. وعلى الجانب الآخر، تبرز السياحة النوعية المرتبطة بالمغامرات كقطاع يتوسع بسرعة، متجهاً نحو حاجز التريليون دولار خلال السنوات المقبلة.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن هناك إجماعاً على أن أنشطة مثل الهايكنج، والترياثلون، وتسلق الجبال، والغوص، أصبحت من أكثر التجارب التي يبحث عنها السائح المعاصر، لأنها تمنحه فرصة المشاركة الفعلية لا مجرد المشاهدة.
وتأتي سلطنة عُمان في موقع استثنائي بفضل طبيعتها الفريدة، التي تمنحها ميزة تنافسية لا تضاهى؛ فجبال الحجر، وسهول ظفار، وشواطئ الوسطى، ورمال الشرقية جميعها ملاعب طبيعية مفتوحة أمام الزوار دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في إنشاء مرافق اصطناعية.
هذه الثروة الطبيعية تقلل كلفة البنية الأساسية مقارنة بالرياضات الحضرية، مع بقاء الحاجة إلى تعزيز الخدمات اللوجستية لضمان تجربة سياحية متكاملة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الرياضة النوعية قادرة على تحقيق عائد اقتصادي مباشر؛ فإحدى البطولات الكبرى في أستراليا مثلاً (بطولة أستراليا المفتوحة للتنس في فيكتوريا لعام 2024)، ضخت أكثر من 200 مليون ريال عُماني في الاقتصاد المحلي خلال أسبوعين فقط، معظمها من الإنفاق السياحي المباشر وغير المباشر.
وإذا كان هذا ممكناً في مدينة حضرية، فإن عُمان بما تمتلكه من طبيعة بكر قادرة على مضاعفة الأثر عبر تقديم تجارب أصيلة لا تحتاج إلى ديكورات إضافية، بل تتطلب تخطيطاً ذكياً واحترافياً. وقد ساهمت فعاليات مثل طواف عُمان وسباقات الإبحار الشراعي في رسم صورة السلطنة كوجهة طبيعية فريدة، حيث انتقلت صور الجبال والبحار العُمانية إلى ملايين الشاشات عالمياً. هذه الفعاليات لم تقدم مشاهد رياضية فحسب، بل نقلت هوية المكان وروح المغامرة الكامنة فيه. ومع تطوير التغطية الإعلامية وتحسين قياس الأثر السياحي، يمكن لهذه التجارب أن تتحول إلى قصص نجاح تُروى للعالم.
الميزة الأهم لعُمان تكمن في قدرتها على الدمج بين الرياضة النوعية الحديثة والرياضة التراثية الأصيلة، مثل سباقات الهجن والخيل. هذا المزج يخلق تجربة سياحية متكاملة تجمع بين روح المغامرة وعمق الهوية الثقافية، وهو ما يميز السلطنة عن منافسيها الإقليميين والدوليين.
إن الاستثمار في الرياضات النوعية هو خيار اقتصادي، واجتماعي، وبيئي في نفس الوقت. فهذه الأنشطة تفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب للمشاركة، وتوفر فرص عمل في مجالات الإرشاد السياحي والخدمات المساندة، كما تحافظ على البيئة الطبيعية من خلال الترويج للسياحة المستدامة. إنها صيغة تحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية وصون الموارد الطبيعية وتعزيز المشاركة المجتمعية.
المطلوب في المرحلة القادمة ليس ملاعب عملاقة ولا استثمارات بملايين الريالات، بل إرادة تنظيمية قوية لتوحيد الجهود، وإطلاق شراكات ومبادرات مؤسساتية بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب حملات ترويجية ذكية تُبرز سحر الطبيعة العُمانية وتستهدف الأسواق المناسبة، وإجراء دراسات دقيقة لقياس الأثر الاقتصادي.
إن الرياضة النوعية لم تعد نشاطاً محدود الأثر، بل هي رافعة اقتصادية وسياحية واجتماعية قادرة على إعادة رسم مكانة الدول على الخارطة العالمية. وبما أن سلطنة عُمان تمتلك مقومات طبيعية وثقافية استثنائية تؤهلها لتكون في طليعة الوجهات السياحية الرياضية، فإن المرحلة القادمة تستلزم الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى استراتيجية وطنية متكاملة، تُبنى على شراكات مؤسسية، واستثمارات ذكية، وترويج عالمي احترافي. عندها فقط يمكن لعُمان أن تُرسّخ حضورها كوجهة رائدة في السياحة الرياضية النوعية، وتحوّل رؤيتها إلى واقع يعكس هويتها، ويعزز تنميتها، ويُسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة