حمد بن محمد المحرزي – كلية عُمان للسياحة|
التعلم الحر في مواقع التراث الثقافي والبيئي العمانية
مع توجه السلطنة لقطاع السياحة بدأت أهمية هذه المواقع تبرز بشكل أكبر كأحد عناصر الجذب السياحي، وبدأت الزيارات لهذه المواقع تتصاعد تدريجياً. ولكي يكون الموقع التراثي أو البيئي متاحاً لزيارة، يتطلب أن يتم تأهيل الموقع ليكون جاذباً ومتاحاً من عدة جوانب، تأتي الجوانب المتعلقة بإتاحة التعلم عن وفي هذه المواقع في مقدمتها.
تشير الأبحاث المتعلقة بالتعلم الحر في مواقع التراث الثقافي والبيئي إلى عدد من الأسس العامة والخاصة التي يجب أن يتم عليها تأهيل الموقع للزيارة والتي تعرف بعملية “التفسير-Interpretation”. توصف عملية التفسير في مثل هذه المواقع وباختصار، بالعملية التي تقوم على إيصال الجوانب المعرفية والحسية أو الوجدانية المرتبطة بالموقع للزوار، ويمكن تلخيص هذه الأسس في النقاط التالية حسب ما اشارت إليه أحدث الدراسات:
1. الارتباط الشخصي: من المهم أن يكون التفسير أو المعلومات المقدمة ذات صلة بالزائر ثقافياً وبيئياً، من خلال استخدام لغة مألوفة وقصص مرتبطة بالموقع أو التاريخ. على سبيل المثال، عمل مقاربات بين تفاصيل حياة الأجيال السابقة بالحاضرة.
2. التنوع والثراء: لكون أن التعلم في هذه المواقع هو تعلم حر، من المهم أن تكون المعلومات المقدمة ثرية ومتنوعة سواء في المحتوى أو طريقة التقديم لتلبي مختلف الرغبات. عليه من المهم استخدام أساليب متعددة مثل القصص، أو السرد البسيط، أو العروض التفاعلية.
3. التسلسل الواضح: تساعد البنية المعرفية المنظمة على الفهم والتذكر والربط، سواء في الجولات الميدانية أو لوحات المعلومات على سهولة وسلاسة التعلم الحر وزيادة المتعة المرتبطة بالتجربة، وعليه من المهم أن يكون هناك تسلسل واضح للمعلومات المقدمة بحيث تأتي في إطار “قصص” متكاملة ومرتبطة.
4. أهمية الموضوع الأساسي: يجب أن تدور كل تجربة تفسيرية حول فكرة أو موضوع أو قصة محورية تحتوي على “رسالة أساسية” تربط الجوانب المختلفة للبيئة أو الثقافة، وتهدف إلى تقديم رسالة واضحة.
5. التفاعل والمشاركة: تشير الأبحاث في مواقع التراث الثقافي والبيئي بأن أفضل طرق التعلم الحر هي تلك التي تتضمن مشاركة نشطة. يجب أن تتيح التفسيرات المقدمة على التفاعل باستخدام الحواس، وتقديم اختيارات، وتحفيز التفكير. التفاعل والمشاركة يمكن أن تكون حسية أو ذهنية سواء على مستوى الفرد أو تتيح التفاعل بين أفراد المجموعة الزائرة.
6. احترام شرائح الجمهور: لكون أن زوار مواقع التراث الثقافي والبيئي يختلفون في المعرفة والقيم والخلفيات الثقافية والمعرفية، من المهم جداً أن يكون التفسير مراعي لهذا التنوع ويقدم مستويات مختلفة من المعلومات، وطرق متعددة للتفاعل.
في إطار مواقع التراث الثقافي والبيئي العماني، تساهم مواقع التراث في تنوع وإثراء التجارب السياحية للزوار المحليين والدوليين على حد سواء، وعليه كيف يمكن تأطير التفسيرات والتجارب في هذه المواقع للتناسب مع متطلبات المجتمع العماني بشرائحه المختلفة مع الحفاظ على تقديم تجارب سياحية فريدة لشرائح الزوار من الخارج؟. إذا ما نظرنا إلى خارطة مواقع التراث الثقافي والبيئي العماني، فإنها متنوعة ومتناغمة مع بيئاتها الجغرافية والمجتمعية والثقافية، هذا التنوع يمكنه أن يساهم في خلق تجارب تعليمية-ترفيهية متنوعة على حسب البيئة والسياقات الذي توجد فيها هذه المواقع، وبما لا يعيد تكرار التجارب المعرفية والحسية للزوار لمثل هذه المواقع في محافظات السلطنة.
في الإطار المحلي، تشير الدراسات إلى أن التجارب السياحية في مثل هذه المواقع من المهم أن تَرتبط بالتاريخ وخصائص الثقافة المحلية بحيث تساهم في نقل المعرفة والإرث الحضاري للأجيال المتعاقبة. في إحدى الدراسات على أحد مواقع التراث العماني، أشارت النتائج إلى أن أحد أسباب زيارة العمانيين للموقع هو رغبتهم في “تمرير” مكونات التراث العماني المعرفي والمهاري والحسي/الوجداني لأبنائهم، وزيادة الارتباط بالمكان والثقافة العمانية. عليه من المهم أن تقوم هذه المواقع بهذا الدور بشكل علمي وحرفي يساهم في تعزيز الهوية العمانية ومكوناتها المختلفة.
في إطار الزوار الدوليين، فإن أغلب ما أشارت إليه الأبحاث إلى أن رغبات الزوار ترتبط بالجانب المعرفي والتعلم عن الآخر وثقافته وحضارته، لكن يجب الإشارة هنا، إلى أهمية أن تُقدم فرص التعلم الحر في هذه المواقع في إطار الترفيه والاستمتاع -كما تمت الإشارة إليه مسبقاً بشكل أكبر من الجانب التعليمي التلقيني- بحيث تساهم في تحقيق رغبات الزوار، وتشجيع التفكير، وتعزيز المسؤولية الفردية والجماعية لدى الزوار باتجاه البيئة والمجتمع، لكن يبقى السؤال، كيف يمكن توظيف التعلم الحر في مثل هذه المواقع ليساهم في تحقيق رغبات الزوار والرسائل التعليمية التي تقدمها هذه المواقع.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة