د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست الاتفاقية الاقتصادية الشاملة بين سلطنة عُمان والهند حدثاً عابراً في رزنامة العلاقات الدولية، بل هي امتداد طبيعي لرحلة طويلة من التلاقي بين ضفتي بحر العرب. فمنذ أن كانت المراكب الشراعية العمانية تشق طريقها نحو السواحل الهندية حاملة اللبان والتمر والفضة، عادت محملة بالتوابل والأقمشة والحكمة الإنسانية التي صنعت جسورًا من التفاهم والتعايش، لم تُبنَ بالحجارة وإنما بنبض التاريخ.
اليوم، تعود تلك الجسور لتُجدّد نفسها بلغة جديدة، هي لغة الاقتصاد الحديث والتبادل التجاري والاستثمار المشترك. غير أن جوهر العلاقة لم يتغير؛ الربح فيها متبادل، والعطاء فيها قائم على التكامل لا على التنافر. فالهند تبحث عن أمن طاقتها واستقرار إمداداتها، وعُمان تبحث عن تنويع اقتصادها وتعزيز مكانتها في المحيط الهندي، وكلا الطرفين يجد في الآخر شريكاً استراتيجيا لا يمكن تجاوزه.
إن قراءة هذه الاتفاقية من منظور عماني، لا تنفصل عن فلسفة السياسة الخارجية العمانية التي ميزتها عبر العقود: بناء علاقات متوازنة، والانفتاح على القوى الصاعدة دون الارتهان إلى محور بعينه. فكما كانت عُمان يوماً بوابة الشرق إلى إفريقيا، ها هي اليوم تستعيد موقعها كبوابة بين الهند والمحيط الخليجي والعربي، في زمن تعاد فيه صياغة خرائط التجارة والطاقة على أسس جديدة.
لكن الأهم أن هذه الشراكة تحمل بعداً حضارياً يتجاوز الأرقام والصفقات، إنها تذكير بأن الشعوب التي تلاقت عبر الأمواج منذ قرون، قادرة على أن تصنع حاضراً ومستقبلاً مشتركاً، قائماً على مبدأ الربح للجميع لا الربح للأقوى. فإذا أُحسن استثمار هذه الفرصة، فإن الاتفاقية لن تكون مجرد توقيع رسمي على ورق، بل نقطة تحول تعيد رسم دور عمان والهند معًا في مشهد اقتصادي عالمي متغير.
وفي زمن يتسابق فيه الكبار على النفوذ والمصالح، تبدو العلاقة العمانية الهندية شاهداً حياً على أن التاريخ إذا صيغ بعقل، والمصلحة إذا ارتبطت بالقيم، فإن النتيجة تكون شراكة رابحة لكل الأطراف.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة