مقال | حين تُختبر الإدارة في أدق اللحظات

د. قاسم بن محمد الصالحي| 

ليست الجاهزية مصطلحاً يزيّن الخطابات، ولا عبارة تُكتب في خطط العمل، بل هي فعل متجذر في الواقع، يتجسد في القدرة على استباق الحاجة قبل أن تتحول إلى أزمة، وفي حسن التوقيت الذي يفرق بين ارتباك المؤسسات وانسيابها. فالإدارة الرشيدة لا تُقاس ببلاغة ما تُعلن، بل بمدى استعدادها لما لا يُعلن، وما يتصل مباشرة بتجربة الناس اليومية.

من هنا يطفو سؤال بديهي على السطح: كيف تُترك فترة الإجازة الصيفية، وهي الأطول والأكثر سكوناً، دون أن تُستغل لصيانة الشبكات الإلكترونية التي تُعد اليوم عصب العملية التعليمية والإدارية؟. وكيف يُفاجأ المجتمع مع مطلع العام الدراسي بتوقف هذه الخدمات الحيوية، في وقت تتكاثر فيه الحاجة إليها، ويُفترض أن تكون جاهزة بكامل طاقتها؟. 

لسنا في مقام الملامة، فكل مؤسسة تجتهد ضمن قدراتها، لكننا في مقام التذكير بأن خدمة المجتمع لم تعد تقبل الأعذار، لأن ثقة الناس تُبنى على التفاصيل الصغيرة التي تمس حياتهم مباشرة. الشبكة الإلكترونية لم تعد رفاهاً، بل هي طريق يسلكه الطالب ليصل إلى محاضرته، والأستاذ ليُنجز عمله، وولي الأمر ليطمئن على أبنائه، والإدارة لتتابع سير مهامها. والانقطاع فيها ليس مجرد خلل تقني، بل تعطيل لمسار كامل تتشابك فيه مصالح فردية وجماعية.

إن الجاهزية الحقيقية تقتضي أن تُدار الصيانة وفق رؤية استباقية تقوم على ثلاثة مرتكزات؛ أولها: التوقيت الحكيم، حيث يُختار زمن الصيانة في لحظات انخفاض الضغط، لا في ذروة الحاجة. ثانيها: الشفافية المسبقة، بإعلان جداول واضحة ومواعيد دقيقة، تمنح المستفيدين فرصة التكيف وترتيب أعمالهم. وثالثها: البدائل الاحتياطية، التي تكفل استمرار الحد الأدنى من الخدمات الأساسية ولو بقدرة محدودة، حتى لا يشعر المجتمع بالانقطاع التام.

بهذه الأركان، لا تصبح الصيانة مفاجأة، بل خطوة مرحباً بها، لأنها تأتي في وقتها المناسب، وتُفهم باعتبارها تطويراً لا تعطيلًا، بل إن الناس حينها ينظرون إليها بعين الرضا، إذ يشعرون أن المؤسسة تفكر عنهم ولهم، وتسبقهم بخطوة لا تتأخر عنهم بخطوة.

إن ما تحتاجه مؤسساتنا اليوم ليس فقط أنظمة تقنية أكثر تطوراً، بل عقل إداري أكثر وعياً بأن الجاهزية ليست شعاراً يقال، وإنما ممارسة تُلمس في كل قرار وتوقيت. فالجاهزية فعل يومي، يترجم في قدرة المؤسسة على أن تُطمئن مجتمعها بأنها حاضرة، متيقظة، لا تفاجئه بل تُهيئه، ولا تربكه بل تسنده.

وحين تُترجم الجاهزية إلى واقع ملموس، تتحول ثقة الناس من ظنٍ إلى يقين، ومن انتظارٍ إلى اطمئنان، ويغدو المجتمع شريكاً لا متلقياً، وفاعلاً لا متأثراً فقط. تلك هي الإدارة التي تليق بزمن تتشابك فيه المصالح على نحو لم يعد يحتمل المفاجآت.

فالجاهزية ليست كلمة نرددها، بل فعل نعيشه، وإن لم تتحول إلى واقع ملموس، غدت مجرد صدى لا يُغني عن الحقيقة شيئاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*