مقال| السياحة الرقمية.. رؤية ذكية لمستقبل سياحي مزدهر

د. ناصر بن علي الجهوري|

dr.nasser.aljahwari@gmail.com

يشهد العالم اليوم سباقاً محموماً نحو تبنّي الحلول الرقمية في مختلف القطاعات، والسياحة ليست استثناءً. فقد أصبحت تقنيات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أشبه بجواز سفر جديد يفتح أمام الزائرين أبواباً غير مسبوقة لتجارب غامرة.

ومن بين الابتكارات التي أحدثت نقلة نوعية في هذا المجال يبرز مفهوم التوائم الرقمية (Digital Twins) والمنصات الافتراضية (Virtual Platforms) ، وهما أداتان لا تغيّران فقط طريقة التخطيط السياحي، بل تعيدان تعريف مفهوم الرحلة ذاتها.

فالتوائم الرقمية ليس مجرد فكرة هندسية، بل هو نسخة حيّة وذكية من مدينة أو موقع سياحي، تسمح باختبار الأداء وتوقع سلوكيات الزوار قبل أن تطأ أقدامهم المكان. أما المنصات الافتراضية فهي عوالم ثلاثية الأبعاد تتيح للسائح خوض تجربة استكشاف، يتجول خلالها وكأنه يعيش الرحلة فعليًا وهو جالس في منزله.

تخيّل سائحاً في طوكيو يتجول افتراضياً في قلعة نزوى، أو يشارك في مغامرة عبر الأودية العُمانية قبل أن يحجز تذكرته. إن توظيف هذه التقنيات في القطاع السياحي يفتح آفاقًا واسعة لتعزيز جودة الخدمات، وتقديم تجارب مبتكرة تمنح السائح قيمة مضافة تجمع بين التقنية والإبداع.

عالمياً، نجحت كندا في اعتماد هذه الأدوات بشكل فعّال، ما ساعد على تحسين التخطيط السياحي، تعزيز تجربة العملاء، وتقليل الأثر البيئي للرحلات غير المدروسة. وتشير التقديرات إلى أن هذا التوجه سوف يضيف نحو 4.5 مليار دولار كندي، أي ما يقارب 1.3 مليار ريال عُماني، إلى عوائد السياحة بحلول عام 2026، بزيادة 15% عن التوقعات السابقة.

وفي السياق المحلي، تبدو سلطنة عُمان مؤهلة للاستفادة من هكذا تجارب في إطار رؤيتها المستقبلية عُمان 2040 ومن ضمن مشاريع التحول الرقمي. فمن الممكن تطوير منصات وتطبيقات تفاعلية تُعرّف بالمعالم السياحية باستخدام تقنيات الواقع المعزز، وتعكس غنى الإرث الثقافي والتنوع البيئي، مع توظيف الذكاء الاصطناعي لتقديم مقترحات شخصية تناسب اهتمامات كل سائح. هذا النهج يتوقع له أن يعزز مكانة عُمان كمقصد سياحي عالمي، ويجمع بين الأصالة والابتكار في صيغة تسويقية فريدة، والتحول نحو سياحة رقمية متكاملة.

القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تقف عند حدود الإيرادات الاقتصادية، بل تمتد إلى حماية الهوية الثقافية والبيئية. فالمنصات الذكية تستطيع أن تُوزع تدفق السياح بذكاء، فتخفف الضغط على المواقع ذات الطبيعة الخاصة مثل الجزر وأماكن الغوص أو الكهوف الجبلية، وتحافظ على توازن دقيق بين التنمية السياحية والاستدامة البيئية. إنها معادلة تجمع بين الأصالة والابتكار، وبين الحداثة والهوية.

لتسريع هذا التحول، يمكن تبنّي مشروع وطني طموح، يقوم على إنشاء منصة افتراضية وطنية متكاملة – برسوم رمزية – تجمع كل المواقع والمعالم السياحية العُمانية بتقنية ثلاثية الأبعاد، وتُدمج بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتوفير خطط سفر مخصصة تلبي اهتمامات الزوار المختلفة، سواء كانت ثقافية أو بيئية أو ترفيهية أو مغامرات.

كما يفتح المشروع المجال أمام الشباب العُماني، سواء في تصميم الجولات الافتراضية، تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أو تحليل البيانات السياحية، وكذلك للشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة لتطوير المحتوى الرقمي وتعزيز مكانة السلطنة كمركز إقليمي للسياحة الذكية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن ربط المنصة بقطاعات الطيران والفنادق والمطاعم لتتحول من مجرد أداة استكشاف إلى بوابة حجز متكاملة تعكس رؤية وطنية للسياحة المستدامة.

إن هذا الاستثمار يمثل رؤية ذكية تتناغم مع الطموحات الوطنية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام. وعندما تُجمع هذه الثروات الثقافية والطبيعية في صورة رقمية نابضة، يمكن أن تصل إلى ملايين البشر حول العالم بضغطة زر، ما سيجذب المزيد من السياح لتجربة سلطنة عُمان والعيش بتفاصيلها الواقعية. وهنا تكمن الفرصة الحقيقية: أن تصبح عُمان رائدة ومنارة للسياحة الذكية، حيث يلتقي التراث العريق مع أحدث تقنيات المستقبل، ليُولد وعد صادق بمستقبل سياحي مزدهر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*