د. قاسم بن محمد الصالحي |
تعيش مجتمعاتنا المحليّة لحظة فارقة في تاريخها؛ لحظة تتقاطع فيها تقاليد العيش التي صاغت وجدانها قروناً طويلة مع أدوات العصر الرقمي التي تعيد رسم الخرائط من جديد. فما كان يُقاس يوماً بعرق الجباه في الحقول والأسواق، صار يُترجَم إلى بيانات تُخزَّن في ذاكرة رقمية، تُحلَّل وتُقارن وتُحوَّل إلى مؤشرات أداء ومعادلات مستقبل.
إن الحديث عن “خرائط الطاقة” لم يعد حكرًا على الجغرافيا النفطية أو المائية، بل اتسع ليشمل الطاقة البشرية الكامنة في كل قرية وولاية: مواهب الشباب، مهارات الحرفيين، حيوية النساء في ساحات العمل، وحتى روح المبادرة التي يحملها أفراد المجتمع بين جنباتهم. هذه الطاقات ليست مجرد أرقام متناثرة، بل شرايين نابضة تحتاج إلى من يلتقطها ويرسمها في خريطة تبيّن مكامن القوة والفرص الكامنة.
وهنا تتجسد صورة حيّة في معرض كوميكس الدولي الذي تحتضنه سلطنة عُمان هذه الأيام؛ حيث يلتقي الخيال الشعبي بالذكاء الاصطناعي، وتتحوّل رسومات الفنانين وشغف الشباب إلى طاقة إبداعية تكشف عن ملامح مجتمع محليّ يتطلع إلى العالمية. فالمعرض ليس مجرد احتفاء بالرسوم والشخصيات، بل هو مختبر مفتوح يربط الإبداع الفني بالابتكار التقني، ويؤكد أن المجتمعات المحليّة حين تُمنح مساحة للتعبير، قادرة على إنتاج طاقات معرفية وثقافية تتجاوز حدودها الجغرافية.
ولذلك فإن “معامل الذكاء الاصطناعي” لا تكتفي بتوصيف الواقع، بل تمضي لتوقّع المستقبل واستشراف السيناريوهات. فهي قادرة على تحويل بيانات السكان إلى فهمٍ عميقٍ لاحتياجاتهم، وعلى تحليل أنماط الاقتصاد المحلي لإبراز فرص الاستثمار، وعلى استقراء مؤشرات التعليم والصحة لرسم سياسات أكثر واقعية وإنصافاً. وإذا كان الإنسان قد اعتاد أن يقيس قوته بما يملك من موارد ظاهرة، فإن الذكاء الاصطناعي يضيف بعداً جديدا: القدرة على استخراج القيمة من التفاصيل المخفية والأنماط الصامتة.
لكن التحدي الأكبر يكمن في كيفية التوفيق بين روح المجتمعات المحليّة وصرامة المعادلات الذكية.. فالمعادلات وحدها لا تبني مجتمعًا، ما لم تحتضن روح المكان وقيمه، وما لم تستمع إلى حكمة الشيوخ وتجارب الأمهات ونبض الشباب. إن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من دقة، سيبقى أداةً في يد من يملك رؤية، والرؤية الحقيقية لا تأتي إلا من رحم المجتمع نفسه.
إن مستقبلنا يتشكل في المساحة الفاصلة بين خرائط الطاقة ومعارض الإبداع، بين معامل الذكاء الاصطناعي ومجالس الناس، بين ما نرسمه اليوم في لوحات الكوميكس وما نبنيه غداً على أرض الواقع. فإذا أحسنا المزج بين الأصالة والحداثة، بين الروح والمعادلة، سنجد أنفسنا أمام تنمية لا تقتلع الجذور ولا تكتفي بالثمار المؤقتة، بل ترسم للأجيال القادمة طريقاً يليق بكرامة الإنسان وثراء المكان.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة