د. قاسم بن محمد الصالحي|
على ضفاف المحيط الهندي، حيث تعانق الأمواج أرصفة زنجبار القديمة، ينهض التاريخ كجدارية محفورة بالملح والعطر والحنين. هناك، في أزقة «ستون تاون»، تختلط أصوات الباعة برنين المراكب الخشبية، وتبقى أبواب البيوت العتيقة كأنها شواهد على عبور الأجيال، شاهدة على حكاية العُمانيين حين نسجوا مع هذا المكان ثوبًا من حضارة وثقافة امتدت في الزمان.
الملتقى الثقافي في زنجبار ليس مجرد حدث عابر، بل هو استعادة لنغمة قديمة من لحن طويل، هو محاولة لجمع فتات الذاكرة وصوغها في عقد جديد، إنه لحظة إنصات إلى صوت العود العُماني وهو يجاور الطبول الإفريقية، لحظة تأمل في كيف كان البحر طريقاً للودّ، وكيف كانت الأمواج بريداً بين عُمان وزنجبار.
من يزور الملتقى يشعر أن الجزيرة تحيا من جديد، فكل ركن فيها يهمس باسم عُمان؛ من الأزقة التي عرفت وقع أقدام التجار، إلى الموانئ التي شهدت عبور السفن المحمّلة بالتمر والبخور والعاج والقرنفل. إن الحكاية ليست في التجارة وحدها، بل في تلاقي الأرواح، في امتزاج الألسن واللهجات حتى صار اللسان العُماني في زنجبار جسراً لا يُمحى.
وليس المقصود من هذا الملتقى أن يظلّ العُمانيون أسرى لماضٍ جميل يروونه للتسلية، بل أن يستخرجوا من هذا الماضي ما يصلح لبناء حاضر متجدد. فالشباب اليوم مدعوون ليدركوا أن أسلافهم لم يخشوا البحر، ولم يتوقفوا عند حدود الشاطئ، بل خاضوا الموج ليصنعوا لأنفسهم مكاناً في العالم، إنهم لم يتذمروا من قلة الإمكانات ولا ضيق الموارد، وإنما حوّلوا البحر إلى فرصة، والغربة إلى مورد، والتواصل إلى رأس مال ثقافي واقتصادي.
زنجبار في هذا السياق ليست مجرد جزيرة، إنها رمز، رمز للقدرة على الامتداد خارج الجغرافيا، وللإيمان بأن الهوية التي تُعاش وتتجدد هي التي تُبقي الأمة حيّة، إنها تُذكرنا بأن الثقافة ليست كماليات، بل هي أساس بناء المجتمعات، وبأن الحضارة لا تُحفظ في المتاحف وحدها، بل في النفوس التي تواصل حمل الشعلة.
ومن هنا، فإن الملتقى الثقافي العُماني في زنجبار هو أيضاً رسالة إلى الداخل قبل الخارج: رسالة تقول إن النهضة التي نعيشها اليوم تحتاج أن تستلهم جذورها، أن تُجدّد نفسها بوعي أوسع، أن تنظر إلى العالم لا بعين الغريب، بل بعين المشارك الفاعل. فكما كان أسلافنا جزءاً من تشكيل الذاكرة الإفريقية والهندية والعربية، فإن شبابنا اليوم مدعوون ليكونوا جزءاً من تشكيل المستقبل العالمي، بعقل منفتح، وإرادة صلبة، وقلب مخلص للأرض التي أنبتتهم.
في زنجبار نكتشف أن التاريخ لم يكن سوى وعد مؤجل؛ وعد بأن العُمانيين حيثما حلوا، زرعوا نخلة، وأوقدوا قنديلاً، وغنّوا للحياة. والوعد اليوم بين أيدينا؛ أن نصون هذه الذاكرة لا بالنوستالجيا وحدها، بل بالفعل المتجدد، والنهضة التي لا تنقطع.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة