مقال | الهايكنج في عُمان.. مغامرة رياضية واستكشاف الطبيعة الساحرة

د. ناصر بن علي الجهوري|
dr.nasser.aljahwari@gmail.com

تعد رياضة الهايكنج من أبرز أنماط سياحة المغامرات في العالم، إذ تجمع بين الحركة الجسدية، استكشاف الطبيعة، وغرس القيم الشخصية. فهي تجربة شاملة تشمل المشي الجبلي، تسلق القمم، السير بين الأودية، واكتشاف الكهوف، ما يمنح ممارسيها مزيجاً فريداً من التحدي البدني والذهني، ومتعة التعلم والاستكشاف.

تخيل أن تبدأ يومك في الصباح الباكر، والهواء النقي يملأ رئتيك بينما تتسلق أحد أودية جبال الحجر. تسمع صوت خرير المياه بين الصخور، وتشاهد أشعة الشمس الأولى تتسلل عبر أغصان الأشجار. مع كل خطوة، تشعر بتحدٍ جديد لجسدك وعقلك، وبين الحين والآخر تتوقف لتستمتع بمنظر وادٍ عميق أو كهوفٍ غامضة تخفي أسرار الطبيعة. الهواء العليل، رائحة الأرض الرطبة، وأصوات الطيور في الأفق، كلها عناصر تجعل الرحلة أكثر من مجرد رياضة؛ إنها تجربة تستيقظ فيها الحواس، تغذي الروح، وتمنح شعوراً بالحرية والانتماء للطبيعة العمانية الساحرة.

تتميز سلطنة عُمان بتضاريسها المتنوعة، من جبال الحجر الشرقي والغربي وسلسلة جبال ظفار، إلى وديانها الممتدة وكهوفها الطبيعية، ما يجعلها أرضاً خصبة لممارسة هذه الرياضة. هذا التنوع يمنح عُمان ميزة تنافسية كوجهة مفضلة لعشاق الهايكنج محلياً وإقليمياً وعالمياً، ويتيح فرصة لربط الرياضة بالسياحة المستدامة، وتعزيز الهوية الوطنية، وفتح مجالات اقتصادية من خلال خدمات الإرشاد، الإيواء، النقل، والضيافة.

الإنسان العُماني مرتبط منذ القدم بالجبال والأودية، ما أكسبه خبرة فطرية وتراكمية في التعامل مع الطبيعة، ويعزز إمكان تحويل الهايكنج إلى نشاط منظم يضيف قيمة سياحية ويغني تجربة الزائر. 

ومع اعتماد مبادئ السياحة الخضراء والحفاظ على البيئة، وتنظيم المسارات وفق معايير السلامة، تصبح هذه المغامرة أكثر أمانًا وجاذبية، وتعكس التوجه الوطني نحو التنمية المستدامة.

على المستوى الدولي، تعمل عدة اتحادات عالمية مثل الاتحاد الدولي لتسلق الجبال (UIAA)، واتحاد القادة الدوليين للمشي في الجبال (UIMLA)، والاتحاد الدولي لمرشدي الجبال (IFMGA)، على وضع معايير السلامة وتطوير برامج تدريبية للأدلاء، ما يوفر مرجعاً يمكن الاستفادة منه لتطوير الممارسات المحلية وربطها بالمشهد العالمي.

محلياً، تبرز المبادرات الشبابية في تنظيم رحلات الهايكنج، وتشجيع مختلف فئات المجتمع على تبني أسلوب حياة نشط ومتصالح مع الطبيعة. فقد لاحظت نماذج مميزة لشباب يكرسون وقتهم لاستكشاف المسارات الجديدة، وممارسة التحدي الجسدي والذهني، وينشرون الوعي بالرياضة بين أصدقائهم وجيرانهم، مما يعكس تأثيرها الإيجابي على الشخصية والمجتمع.

مع تزايد الاهتمام بهذه الرياضة، تظهر أهمية إنشاء لجنة وطنية للهايكنج تشرف عليها الجهات الرسمية، لتضع لوائح ومعايير السلامة، وتنظم الفعاليات، وتؤهل الأدلاء السياحيين، وتربط السلطنة بالاتحادات الدولية. وجود هذه اللجنة يوفر مظلة مؤسسية موحدة تضمن استدامة الرياضة، وتعزز مكانة سلطنة عُمان كوجهة عالمية رائدة في رحلات المغامرة واستكشاف الطبيعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*