د. قاسم بن محمد الصالحي |
في خضمّ الاندفاع نحو بناء الغد، كثيراً ما يسطع الضوء على المشروعات الكبرى والطرقات الممتدة والأبراج الشاهقة، لكنّ التنمية ليست مرآة تعكس ما يُراد لها أن تُظهره فقط، بل هي كيان متكامل قد تخفي بعض زواياه ظلالاً كثيفة لا تراها العيون المنشغلة بالواجهة.. تلك هي الزوايا العمياء؛ المواطن التي إن تُركت، صارت فجوات تبتلع الجهد وتشوّه الصورة.
أولى هذه الزوايا هي الزاوية الاجتماعية، حين نُشيّد المدن ونرفع البنى الأساسية، قد نغفل أن التنمية لا تُقاس بعدد الكيلومترات المعبّدة، بل بقدرة الفقير على العيش بكرامة، وبما يتاح للمرأة في القرى البعيدة من فرص، وبمقدار ما يُشعر كبير السن أو ذو الإعاقة أنه حاضر في المشهد لا على الهامش. التنمية لا تكتمل إذا لم تتكئ على كتف الإنسان قبل الإسفلت والإسمنت.
أما الزاوية الاقتصادية، فهي لا تختزل في جذب الاستثمار الضخم أو مشاريع الطاقة العملاقة، على أهميتها. فالتنمية الحقيقية تُقاس بمدى تمكين الحرفي البسيط والتاجر الصغير، وبقدرتنا على دمج الاقتصاد غير الرسمي في جسد الدولة. إنّ السياسات التي لا ترى صغار المستثمرين تفقد أحد أهم أعصاب الاقتصاد الوطني.
وفي الزاوية الجغرافية، يبرز التفاوت بين المركز والأطراف. تلمع العواصم بالأضواء، فيما تبقى القرى البعيدة في دائرة الانتظار. التنمية المتوازنة ليست ترفاً، بل ضمانة للاستقرار وعدالة التوزيع. والمناطق الحدودية – بما تحمله من حساسية وأهمية – ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي بوابات للأمن والاقتصاد والثقافة، تستحق أن تكون في صدارة الأولويات.
ثم هناك الزاوية المؤسسية، حيث تتجلى المسافة بين الرؤية والتنفيذ. كم من رؤية كبرى أُعلنت، ثم أبطأتها البيروقراطية أو بعثرتها تضاربات الصلاحيات. هنا يصبح لزامًا أن تُقام جسور صلبة بين الخطاب الرسمي والتشريعات التنفيذية، وأن تُفعّل أدوات المحاسبة والرقابة، حتى لا تبقى التنمية حلماً معلّقاً على الورق.
ولا يمكن إغفال الزاوية الثقافية والفكرية. فالتنمية ليست معادلة اقتصادية باردة، بل هي هوية متجددة وقيم متوارثة. المشاريع المادية إن لم تُرافقها تنمية للعقل والوعي، تبقى ناقصة. المدرسة ليست جدراناً وصفوفاً فحسب، بل مختبر لإطلاق العقل الحرّ وصناعة جيل قادر على الابتكار لا الاستهلاك فقط.
إنّ جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، يؤكد دائما على أن المسؤولية لا تكتمل إلا بالعمل الجاد والرؤية البعيدة، وأن القدرة على تجاوز التحديات تتطلب متابعة دقيقة لكل جوانب التنمية، بما فيها تلك الزوايا التي قد لا تبدو واضحة للعيان. فالمسؤولية الحقيقية تكمن في الانتباه لكل التفاصيل، وفي رعاية الإنسان قبل الحجر، وفي تعزيز قيم العدالة والتكامل في كل مشروع يُنفّذ.
التنمية مشروع وعي بقدر ما هي مشروع عمران، وإذا كان البصر ينشغل بالواجهات، فإن البصيرة هي التي تلتفت إلى الزوايا العمياء. فالطريق إلى مستقبل متوازن لا يُبنى بالإبهار وحده، بل بالعدل في التوزيع، والعمق في الرؤية، والقدرة على إشراك الإنسان في صناعة مصيره. التنمية التي ترى كل التفاصيل، وتضيء كل الزوايا، هي وحدها التي تُكتب لها الحياة وتُثمر الأمل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة