د. قاسم بن محمد الصالحي |
في أروقة بعض المؤسسات، تحدث أشياء لا يصدقها العقل، أسماء تتحرك في القوائم كأنها بلا روح، أوراق تنتقل من درج إلى آخر، وقرارات تُعتمد كما لو أن الحياة مجرد خانات في جدول. وحين يغيب الوعي، تصبح الدفاتر أثقل حضوراً من البشر أنفسهم، ويستيقظ الناس على خبر يثير الحسرة: نُقلت من غابت عن الدنيا إلى مدرسة أخرى!.
ليست القصة في الاسم الذي سُطّر خطأ، بل في ما يكمن خلفه من إهمالٍ صارخ. فحين تغيب الدقة في العمل، ويُستسهل التوقيع بلا تدقيق، تُفقد المؤسسات هيبتها وتتحول القرارات إلى أوراق صامتة، لا تحمل إلا فراغ المسؤولية. وحين يغيب التنسيق والرقابة، تصبح الخدمة التي ينتظرها المواطن حبراً على ورق، ويُعامل الغائب كأنه ما زال حاضراً، وتُهدر طاقة الحاضر كأنه لم يكن.
هذه الحادثة ليست معزولة، بل هي مرآة لثقافة اللامبالاة التي تتسرب إلى تفاصيل حياتنا اليومية. في المستشفيات، في المدارس، في الدوائر الخدمية، نشهد صوراً مختلفة للغياب ذاته: غياب الدقة، غياب المسؤولية، غياب الضمير. وما لم تُفعل الرقابة الميدانية الحقيقية للإدارة، ستظل الأخطاء تتكرر، وستبقى مؤسساتنا أسيرة الورق لا الواقع، والشكل لا الجوهر.
المؤسسات لا تُبنى بالجدران ولا باللوائح وحدها، بل تُبنى بالوعي الحاضر، بالعامل الذي يرى في عمله رسالة لا وظيفة، وبالمسؤول الذي يراقب الله قبل أن يراقبه الناس.. وحده الضمير الوظيفي الحي هو الكفيل بأن يحول العمل من روتين مرهق إلى أداءٍ يحمل معنى ويصنع أثراً.
فلتكن رسالتنا واضحة؛ إن أخطاء الورق تُغتفر، أما أخطاء الضمير فلا تُغتفر. وما لم يُبعث الضمير حيّاً في كل مكتب ودائرة، ستبقى القرارات تدور في فراغ، ويظل المواطن ينتظر خدمة لا تأتي.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة