يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |
إن البيئة الاقتصادية العالمية اليوم لم تعد ساحة مفتوحة بلا اتجاه، بل أصبحت ميداناً تتقاطع فيه دوائر القرار الدولي وتتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ والسيطرة، مستخدمة أدوات التمويل، والاستثمار، والاشتراطات التنظيمية، وحتى الضغط السياسي. وفي قلب هذا المشهد، يقف الاقتصاد العُماني في موقع استثنائي، يفرض عليه أن يتعامل بوعي استراتيجي مع الفرص والمخاطر على حد سواء.
لقد أكّد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، أن رؤية عُمان 2040 هي «بوابة السلطنة لمواكبة المتغيرات الإقليمية والعالمية واستثمار الفرص المتاحة». هذه الرؤية ليست مجرد وثيقة، بل هي إطار متكامل لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد، وتعزيز تنافسيته، وتنويع مصادره بعيداً عن الاعتماد الأحادي على النفط.
وفي مواجهة تنافس دوائر القرار الدولي – الأمريكية، والصينية، والأوروبية، والهندية – فإن الموقع الجغرافي لعُمان يتيح لها فرصة أن تكون مركزاً لوجستياً محايداً وممراً تجارياً لا غنى عنه، لكن هذه الميزة الجغرافية لن تتحول إلى قوة اقتصادية فعلية إلا إذا ترافقت مع:
– توسيع قاعدة الإنتاج المحلي في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية.
– تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية لرفع القدرة التفاوضية أمام الشركاء الدوليين.
– إدارة ملف الاتفاقيات التجارية بما يضمن عدم المساس بأولويات التنمية الوطنية، مثل برامج التعمين.
إن التحديات التي يفرضها هذا التنافس الدولي – من اضطراب سلاسل الإمداد، وتقلب أسعار الطاقة، واشتراطات السوق العالمية – تتطلب من السلطنة الجمع بين المرونة التكتيكية والاستراتيجية طويلة المدى، وهذا يعني استباق التحولات العالمية بخطط بديلة، وبناء تحالفات متوازنة، وتحويل الحياد السياسي الذي تتميز به عُمان إلى أداة جذب استثماري واقتصادي.
إن الاقتصاد العُماني اليوم أمام فرصة تاريخية لترسيخ موقعه كمحور استقرار في منطقة مضطربة، وكنموذج على أن الحياد النشط ليس موقفاً سياسياً فحسب، بل سياسة اقتصادية تعزز السيادة وتدعم النمو المستدام. ويبقى الرهان على قدرة مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني على العمل بتناغم، حتى تكون عُمان، كما أرادها جلالته، “دولة راسخة الأركان، متينة البنيان، قادرة على المنافسة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء”.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة