يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في خضم المفاوضات الأخيرة بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند لإبرام اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، برز مطلب نيودلهي بتجميد نسب التعمين كاختبار حقيقي لقدرة السلطنة على الجمع بين الانفتاح الاقتصادي وحماية أولوياتها الوطنية. فالتعمين في الوعي العُماني ليس بنداً إدارياً عابراً، بل هو ركيزة من ركائز العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بمواطنيها، وضمانة لاستدامة التنمية وسيادة القرار في سوق العمل.
الهند، بما تمثله من ثقل اقتصادي وعمق استثماري، تدرك أن تثبيت النسب الحالية سيضمن استقراراً طويل الأمد لجاليتها العاملة في السلطنة. غير أن قبول هذا المطلب، دون ضوابط أو أفق زمني، قد يُفضي إلى تآكل تدريجي لفرص العُمانيين في قطاعات تحتاج إلى إحلال وطني مدروس، خصوصاً الصناعة والخدمات المتقدمة، ويُضعف الحافز لدى بعض الشركات للاستثمار في تدريب الكفاءات المحلية.
صانع القرار هنا أمام معادلة دقيقة؛ فتح الأسواق أمام الشريك الهندي يعني مكاسب تجارية وفرصاً استثمارية، لكنه قد يفرض تحدياً على قدرة السلطنة على تعديل سياساتها وفق تطورات الداخل. ولعل التجربة العُمانية في ربط منح العقود الحكومية بمعدلات التعمين عبر منظومة “إسناد” تبرهن أن أدوات الحماية ممكنة حتى في ظل انفتاح الأسواق، إذا ما أحسن تصميمها وربطها بمؤشرات أداء واضحة. “التعمين ثوابت وطنية خارج إطار المساومات الوقتية والفرضيات الاقتصادية الهشّة” – من مقالات الرأي المحلية المؤيدة للموقف العُماني. “التوظيف النوعي للمواطنين يظل أولوية قصوى لرؤية عُمان 2040” – مقتطف من خطابات رسمية.
وفق بيانات وزارة العمل، تجاوزت بعض القطاعات نسب التعمين المقررة؛ ففي قطاع البنوك مثلاً وصلت النسبة إلى أكثر من 95%، بينما في قطاعات أخرى ما زالت النسب دون 40%. هذا التفاوت يُبرز أهمية المرونة التشريعية في رفع النسب تدريجياً وفق طبيعة كل قطاع.
المطلوب إذاً ليس الانغلاق ولا التفريط، بل اعتماد مقاربة مرحلية مرنة، تُبقي للسلطنة حق مراجعة النسب وفق معدلات البطالة ومستوى جاهزية القوى العاملة الوطنية، وتُلزم الشركات الأجنبية بخطط لنقل المعرفة وتدريب الكوادر المحلية. بذلك يتحقق التوازن بين ضرورات السيادة ومقتضيات الشراكة، فيبقى باب الاستثمار مفتوحاً، من دون أن يُغلق باب الفرص أمام أبناء الوطن.
في النهاية، ليس الخلاف على رقم أو نسبة، بل على حق الدولة في أن تظل سيدة قرارها في حماية مستقبل أبنائها، وهي تمضي واثقة نحو آفاق الرؤية 2040، حيث الاقتصاد المتنوع، والمواطن المُمكَّن، والشراكات التي تقوم على الندية والاحترام المتبادل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة