يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في زمنٍ تتسابق فيه العواصم لاختراع الفوضى وتصديرها تحت مسميات الحرية والتغيير، تبدو المجتمعات كمن يسير على حبل مشدود فوق هاوية، لا صوت يعلو فوق ضجيج المفاهيم الملبّسة: حقوق تُختزل في فوضى، وحرّية تُستعار لتغطية تهشيم الهويّات، وحداثة تُعرض كسلعة مستوردة تفكّك ولا تبني، تُفكّر عنك ولا تُفكّرك.
هكذا وُلد مصطلح “الفوضى الخلّاقة”، ليُدار به الشرق من بعيد، لا كجغرافيا، بل كخريطة بشرية وثقافية يُعاد رسمها بما يناسب طموحات غيرنا. الفوضى لم تعد رصاصة، بل هاشتاق. لم تعد دبابة، بل رأي مثقّف يلبس قناع النقد وهو يغذّي الجهل. خلّاقة؟. نعم، لكن ليس لنا، تُنتج حيرة، وتُخلّف ضياعاً، وتُعيد تدوير الوجع جيلاً بعد جيل.
في سلطنة عُمان، حيث تُغرس الحكمة في الجبال، وتُسقى المروءة من ضفاف الأودية، لم تكن الدولة غافلة عن هذه الموجة العابرة للقارات. فحين قال جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه: “الشباب هم ثروتنا الأغلى وعدتنا للمستقبل، وسنهيئ لهم البيئة الداعمة لطاقاتهم”، كان يُدشّن جبهة مقاومة ناعمة ضد تصدير الوهم، مقاومة تُسلّح العقل لا العاطفة، وتُحيي في النشء جذوة الانتماء لا الانبهار.
لكن الفوضى لا تأتي فقط من الخارج، أحياناً، تنبت في هشاشة الداخل: حين نُسيء فهم الحرية، ونُروّج اليأس على أنه وعي، ونحوّل وسائل التواصل إلى قنوات لتضخيم الألم وبيع الأزمة في سوق “اللايكات”. فكم من مشهورٍ لمع نجمه لا لأنه أضاء طريقاً، بل لأنه أجاد التلاعب بحاجات الناس؟. وكم من صاحب رأيٍ ظنّ أن جلد الذات هو طريق الإصلاح؟.
يا أبناء هذا الوطن الطيّب، إن ما نمرّ به من أزمات في التشغيل والسكن والطموح ليس قدراً معطوباً، بل مرحلة من مراحل التكوين، لو أحسنا إدارتها، لأخرجت جيلاً أكثر وعياً ومهارة.
فالأزمات ليست دائماً علامات انهيار، بل قد تكون إشارات بناء. كما قال جلالة السلطان: “إن بناء الأمم لا يتم إلا بسواعد أبنائها المخلصين”، فمن أراد البناء، فليُشمّر، لا ليُزمّر.
نعم، هناك تحدّيات، لكن الحل ليس في تكرارها على هيئة نواحٍ رقمي، ولا في تدويرها داخل غرف العدمية.
الحل أن نكون ـ كما أراد لنا سلطاننا – أبناءً في حقول الأمل، لا ضيوفاً في سراديب الشك.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة