يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في طرقات الواقع، كثيرون يسيرون بثياب الحاجة، يمسكون أطراف الحلم بأيدٍ أنهكها السؤال، ويقفون في الظل انتظاراً ليدٍ لا تُصورهم، بل تمتد لتنتشلهم. غير أن هذا الظل لم يَعُد مظلماً كما كان، فقد أضاءته كاميرات النوايا المتداخلة، حين امتزجت الرحمة بالرغبة في الظهور، وابتُليت بعض القلوب بشهوة الضوء، لا دفء العطاء.
تُعرض المآسي على الشاشات الصغيرة، بحسن نية أحياناً، وبرغبة في كسب التعاطف أحياناً أخرى، تفتح بعض الحسابات نوافذها على أنين المجتمع، لا لتسمعه فقط، بل لتبثه مع تعليق مؤثر وموسيقى حزينة، ثم تُغلق النافذة مع وعدٍ بنشر المزيد، وعبارة: “لا تنسوا الإعجاب والمشاركة”.
ليس المقصود أن نكتم الصوت، أو نُداري المعاناة خلف الصمت، بل أن نُحسن اختيار اللحظة، والوسيلة، والنبرة. فكرامة الناس ليست محتوى، ووجعهم ليس وسيلة لجلب التفاعل. الإنسان في لحظة ضعفه لا يحتاج إلى جمهور، بل إلى سترٍ وعون، وإلى من يمد يده لا ليُصوّر، بل ليواسي دون أن يُشهّر.
ثمة فاصل رقيق بين أن تكون صوتاً للناس، وأن تُصبح على حسابهم صوتاً لنفسك، وثمة فرق بين العطاء النبيل، والعرض المُنمّق الذي يتكئ على حاجات الآخرين ليصنع مشهداً من التعاطف الرقمي.
كلنا نُخطئ، ونتعلم، وننوي الخير، وربما يُحسن البعض دون قصد، كما قد يسيء آخرون دون وعي. لكن يبقى في الأمر حاجة ماسة إلى وعي جمعي يَزن الأمور، ويُحسن التفريق بين الفعل النبيل والصدى المرتبك. المجتمع ليس مشهدا، والستر لا يُوثّق، والرحمة لا تطلب لايكاً.
وفي عُمان، حيث تشربت الأرض قيم الستر والتكافل، وحيث يفيض التاريخ بالمواقف الخيّرة التي لا تُنقل بعدسة بل تُروى من القلب، فإن من الوفاء لأصالة هذه الروح العمانية أن نحفظ للناس كرامتهم، ونمد يد العون بصمت، ونواسي بقلوب لا تطلب التصفيق.
فلنجعل من تعاطفنا فعلاً لا فرجة، ومن شهرتنا وسيلة للخير لا غاية في ذاتها.. فالعمل النبيل لا يحتاج جمهوراً، يكفيه أن يشهد عليه الله، ويدعو له من نال الأثر.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة