يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
لا نحتاج إلى جداول وإحصاءات كي نعلم أن في البلد من ينتظر، ولا إلى خطبٍ حماسية لنعرف أن أبوابا كثيرة تُفتح ببطء، وبعضها لا يُفتح أصاً. يكفي أن نصغي، قليلاً فقط، لأحاديث الشباب في المقاهي والمجالس، أن نلمح نظراتهم في طوابير التوظيف، وفي أعين آبائهم، كي نفهم أن أزمة الباحثين عن عمل لم تعد رقما، بل صدى متكرر في كل بيت.
هؤلاء لم يأتوا من الهامش، بل من قلب هذا الوطن، درسوا، وثابروا، وأمِلوا، كما أملنا لهم، ثم اصطدموا بجدار الانتظار، وأدمنوا عبارة: “تابع المنصة، دورك قريب”، لكن الدور لا يأتي، والأمل يبدأ يتراجع، لا لأنه واهٍ، بل لأن المسار أصبح معتما.
ليست هذه دعوة للشكوى، ولا عريضة لوم، بل وقفة تأمل، نحتاجها جميعاً، وقفة نكاشف بها أنفسنا، ونراجع بها أدواتنا. هل ما زلنا نعالج الأزمات بذات المفاتيح القديمة؟. وهل يُعقل أن تتسارع الحياة من حولنا، ونبقى نحن نُطارد الحلول بذات الخطى؟.
وهنا، لا بد من مناشدة العقل الجمعي، بشقيه العام والخاص، أن يفكّر خارج الصندوق، ويكسر دائرة الانتظار، فالقطاع العام، الذي تحمّل لعقود العبء الأكبر، بحاجة إلى إعادة هندسة في أدوات التوظيف، لا لتوسيع قوائم الأجور فحسب، بل لتجديد مسارات الإنتاج الوطني.
والقطاع الخاص، الذي نراهن عليه شريكاً في التنمية، مدعوّ اليوم أكثر من أي وقت، لأن يرى في شباب هذا الوطن طاقة استثمار لا عبئاً محاسبياً، أن يبادر لا أن ينتظر التوجيه، وأن يصنع الفرص لا أن يُحصي الثغرات.
أما الشباب أنفسهم، فهم ليسوا بحاجة إلى من يُلقنهم الحلم، بل إلى من يفتح أمامهم طريقا إليه. فالإرادة متقدة، والطموح حاضر، لكن الأبواب تستحق مفاتيح جديدة، تستوعب إيقاع هذا الزمن المتغير.
والمعادلة، كما يبدو، لا تعاني من نقص النوايا، بل من فجوة في التفكير، من حاجة إلى أنسنة الحلول، وإلى تفعيل مسارات متجددة لا تقيس الإنسان بشهادته فقط، بل بقدرته على التعلّم، والمساهمة، والانخراط في اقتصاد معرفيّ مرن.
فلنصغِ جيّداً، الباحث عن عمل لا يريد شفقة، بل مساراً، لا يحتاج خطبة تشجيع، بل نافذة حقيقية للعبور، وكل تأخير في بناء هذا الجسر هو كلفة مضاعفة يدفعها الوطن من طاقاته.
فلنفكر جميعاً، بهدوء وصدق، خارج الصندوق، ولنرَ في كل منتظر مشروع نهضة، لا رقماً مؤجلاً، ولنجعل من هذا التحدي فرصة لولادة نمطٍ جديد من الشراكة المجتمعية، شراكة لا تقصي أحداً، ولا تتكئ على الحلول الوقتية، بل تُعيد للإنسان مكانه في صميم المعادلة الوطنية.
فربما كانت البداية الحقيقية للحل، أن نعترف بأن الانتظار ليس قدراً، بل نتيجة، وأن الخروج منه يبدأ من التفكير، لا من التبرير.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة