مقال| مهرجان ظفار الشعري.. منصة خليجية تحتفي بالكلمة والإبداع

يكتبه: زهير بن جمعة الغزال|

في ربوع محافظة ظفار، حيث تتعانق الطبيعة الساحرة مع عبق التاريخ والموروث الثقافي، لبست ليالي يوليو 2025 حلة من الشعر والنغم والبهاء، مع انطلاق فعاليات مهرجان ظفار الشعري الثاني الذي أقيم خلال الفترة من 22 إلى 26 يوليو، تحت شعار دافئ يعبّر عن الأصالة والكرم العماني: “يا حي بكم”. 

جاءت هذه التظاهرة الثقافية لتؤكد مكانة ظفار كحاضنة للإبداع الخليجي، ولتعيد الشعر النبطي إلى الواجهة في أجواء احتفالية استثنائية.

على مدار خمسة أيام متواصلة، تدفقت القصائد في فضاء صلالة، ممتزجة بعبير الخريف وظلال الجبال، لتخلق مشهداً فنياً فريداً جذب القلوب قبل الأنظار. صالون مجان الأدبي، بقيادة الشاعرة والناشطة الثقافية الأستاذة هناء سليم، رئيسة المهرجان، وبإشراف من وزارة الثقافة والرياضة والشباب، نجح في تنظيم نسخة متميزة من المهرجان، استحضرت التراث الشعري الخليجي وقدّمته بروح عصرية، مزجت بين الماضي والحاضر.

ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق المهرجان، كان واضحاً أن هذه الدورة تحمل طموحاً أكبر من سابقتها؛ فهي لا تسعى فقط إلى استضافة الشعراء وتقديم أمسيات شعرية، بل تهدف إلى بناء منصة دائمة للحوار الشعري، وتوفير بيئة حاضنة للمواهب الشعرية الجديدة، إلى جانب الاحتفاء بالرموز المخضرمة التي أثرت الساحة الخليجية بقصائدها العذبة.

الأمسيات اليومية تحولت إلى احتفالات جماهيرية مفعمة بالوجدان، حيث تنوعت المشاركات الشعرية بين القصائد الرومانسية والوطنية والوجدانية، وقدّم الشعراء من مختلف دول الخليج العربي إبداعاتهم في أجواء من التفاعل والتقدير الكبير من الحضور. 

كانت القصائد تنساب كما الجداول، تحمل معها نبض الخليج وحنينه، وتنسج لوحات من الأحاسيس والمواقف والموروث، تنبض بالصدق والعاطفة.

ولم تخلُ الفعاليات من الفقرات الفنية التي أضفت على الأماسي طابعاً روحياً مميزاً، حيث تخللت العروض فقرات إنشاد وتراث موسيقي أعادت إلى الأذهان جماليات الشعر الشفاهي وتقاليد المجالس الخليجية. 

كما أتاحت هذه الفقرات لحظة تأمل واندماج حقيقي مع الإيقاع، ما جعل كل أمسية تجربة فنية متكاملة.

الحضور الجماهيري اللافت كان شهادة نجاح كبيرة، إذ امتلأت القاعات بالحضور من مختلف الفئات، في مشهد يعكس تعطّش الناس للفن الراقي والكلمة النبيلة. لم يكن الحضور مقتصرًا على متذوقي الشعر فقط، بل شمل عائلات وأطفالاً ومهتمين، ما يعكس التحول الإيجابي في علاقة المجتمع بالشعر، ويؤكد أن الشعر النبطي ما زال حيّاً في وجدان الناس.

ولعل أبرز ما ميّز هذه النسخة من مهرجان ظفار الشعري هو التنوع الكبير في المدارس الشعرية والخلفيات الثقافية للمشاركين. فقد جمعت المنصة بين شعراء شباب ومخضرمين، ومزجت بين التجريب والتمسك بالأوزان التقليدية، ما أضفى ثراءً كبيراً على الفعاليات وأبرز التنوع الفني الذي تزخر به الساحة الخليجية.

وإلى جانب الأمسيات الشعرية، شكّل المهرجان فرصة للحوار الثقافي والتلاقي بين شعراء الخليج، إذ جرى على هامشه تبادل التجارب ومناقشة قضايا الشعر النبطي ومستقبله، وهو ما منح المهرجان بُعدًا فكريًا وثقافيًا يتجاوز حدود الترفيه.

ولم تغب سلطنة عُمان عن المشهد، بل كانت حاضرة بروحها وكرمها، وأثبتت عبر هذا المهرجان أن لها دوراً ريادياً في دعم الحركة الثقافية الخليجية، وجعلت من محافظة ظفار نقطة التقاء سنوية لعشاق الشعر والإبداع.

ومع ختام المهرجان، ظل صداه يتردد في أرجاء صلالة، التي عاشت أياماً من الفرح الشعري والجمال الإبداعي. فقد ودّع الحضور الشعراء والأمسية الأخيرة وهم يحملون معهم لحظات لا تُنسى، ومشاعر ممتدة تعكس عمق الأثر الذي تركته هذه التظاهرة الفنية.

لقد كان مهرجان ظفار الشعري الثاني أكثر من مجرد احتفال بالكلمة، بل كان كرنفالاً ثقافياً حياً، احتفى بالشعراء والكلمة، وأعاد الاعتبار لفن نبطي عريق لا يزال قادراً على التعبير عن وجدان الإنسان الخليجي، وتعزيز الروابط بين الشعوب والثقافات.

* إعلامي سعودي 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*