مقال| عُمان.. أرضٌ آمنت بالنبي قبل أن تراه

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |

“إن البحر ينضح بجانبنا، فادعو الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا، فقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم وسع عليهم في ميرتهم، وأكثر خيرهم من بحرهم). فقال مازن: زدني؟. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم). وقال لمازن : (قل يا مازن آمين، فإنه يستجيب عندها الدعاء). فقال مازن: آمين”.

هكذا قال النبي ﷺ، فارتفعت أرضُ عُمان منزلةً في قلب التاريخ، وارتفعت معها جباه أهلها في سماء الفخر، تسقيها دعوة نبوية خالدة، لا تبلى كلماتها، ولا تذبل آثارها مهما طال الزمان.

في زمنٍ كانت فيه الرسالة تكابد طريقها وسط وهاد الشك والإنكار، وتُواجَه بالكفر والخذلان، كانت عُمان تفتح قلبها للإيمان قبل أن يُطرق بابها، وتؤمن بالنبي قبل أن تراه عين، وقبل أن يسري إلى سمعها صوتُه الكريم. ما احتاجت إلى معجزة محسوسة، ولا إلى جدل طويل. فقد كفاها نور اليقين، وصدق الفطرة، وسلامة العقل.

“آمنوا بي ولم يروني”. كأنّ هذه الكلمات ليست مجرد وصف، بل شهادةُ نسب روحي، يَنتسب بها أهل عُمان إلى السابقين الأولين، من غير أن يكونوا في السقيفة ولا في بدر، ولكنّهم حضروا بموقفهم، وبثباتهم، وبصدقهم مع الله.

ثم قال ﷺ: “اللهم بارك لهم في ميرتهم وأرضهم وزدهم من خيرك”. فما أعظم هذه الدعوة!. إنها دعوة تشمل زاد العيش، وسعة الأرض، وتدفّق الخير، دعوة تحفظ البطن من الجوع، والنفس من الذل، والمجتمع من الفقر والسوء والفرقة.

والميرة – كما يعلم أهل اللغة – هي القوت الذي يُحمل إلى الأهل، فهي ليست مجرد طعام، بل رمز الكفاف والعزة والكرامة، أن يأتي الخير إلى الأهل لا بذل، ولا تبعية، ولا منّة. وهكذا كانت عُمان عبر الأزمان: قوّة رزق من ذاتها، لا تشتهي ما في أيدي الآخرين، ولا تستجدي موائد العابرين.

وإذا كانت الأرض قد دُعيت لها بالبركة، فقد رأينا كيف أن أرض عُمان ظلت رغم التغيرات صافية البقعة، عزيزة الذات، لم تتلطّخ بدم الأخوة، ولا احترقت بنار الثأر، بل ظلت أرضاً تصنع السلام كما تصنع الحناء في الأصابع، وتبني الاستقرار كما تُبنى القلاع على الجبال.

أما البحر الذي ينضح بجانبها، فهو ليس حداً فاصلاً، بل امتداد لروحها، ومرآة لطبعها. البحر هنا صديقٌ لا غريب، شاهدٌ على الرحلات والعلاقات والتجارة، حارسٌ للأسرار القديمة التي ما زالت تُهمَس في موانئ صور وصحار ومطرح. هو البحر الذي عَبَرَه العمانيون لا ليغزوا، بل ليزرعوا الأمان، ويبسطوا الحِكمة.

عُمان لم تكن أرضا تصرخ، بل أرضاً تتأمل. لم تكن حاضرة الفتن، بل كانت مأوى للعقلاء. ولأنها كذلك، كان لها من دعاء النبي هذا النصيب؛ لا تُنسى ميرتها، ولا يُخاف على أرضها، ولا يغيب عنها الخير.

واليوم، ونحن نُدرك حجم التحولات من حولنا، يبدو أن استحضار هذا الحديث الشريف ليس مجرد حنين، بل هو خطة عمل: أن نظل أهلاً لهذا الدعاء، لا نُبدّل الميرة بالجشع، ولا الأرض بالإسراف، ولا الخير بالطمع.

إنها دعوة لأن نحيا كما أرادنا النبي: أهل وفاء لا غدر، أهل حكمة لا غوغاء، وأهل إيمان هادئ لا يستعرض، بل يُثمر.

وهكذا، تبقى عُمان كما وُصفت، أرضاً يُنضح بجانبها البحر، يفيض منها الخير، وتُورق فيها الرحمة، وتحفظ دعوة النبي كحِرزٍ لا يغيب عن القلب، ولا يُمحى من الذاكرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*