مقال| من الشقوق تولد الخرائط

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |

في المدى المفتوح على حواف الفوضى، ثمة عالم يُعاد ترتيبه لا عبر المؤتمرات الكبرى، بل من بين أنقاض المدن المتعبة، وعلى طاولات خشبية تُدون فوقها اتفاقات لم تُعلن بعد.

في الجغرافيا التي تشظّى فيها اليقين، لم تعد الدول تُمتحن بقوة جيوشها أو صلابة سُلطاتها، بل بمرونتها في بناء شبكات تحالفات تحفظ لها مكانا في خارطة لا تستقر.

ثمة نظام يتكسر، وآخر لم يُولد بالكامل، وفي هذه المسافة بين الانهيار والتشكّل، تتحرك الأقاليم على وقع إيقاع جديد لا يعرف المركز ولا المحيط، بل شبكة من الأقطاب تتوالد وتتشابك، وتنتظم حينا وتفلت حينا آخر.

لقد انتهى زمن القطب الأوحد دون مراسم وداع، ولم يعد ممكناً لأحد أن يدّعي ملكية القرار، في عالم باتت فيه الحقيقة نسبية، والسيادة متعددة الطبقات، والحدود تُخترق بالأسواق قبل أن تُخترق بالجيوش.

في الهامش القريب، تتقارب الكيانات الصغيرة كي لا تذوب، تتخلى عن نرجسية الانفراد، وتختبر ألوانا جديدة من الوحدة؛ لا على شكل اندماج تام، ولا كنفدرالية رسمية، بل كتوافقات ذكية بين من يدرك أن النجاة اليوم لا تكون فردية.

العالم يُكتب الآن بلغات متداخلة، لا تستأذن من الجغرافيا، بل من المنفعة، تتشكل التحالفات لا على أساس العرق أو العقيدة أو الشعارات الثورية، بل على قاعدة: من يستطيع أن يصمد معي في لحظة انكشاف الغطاء؟، من يشاركك القلق والرصيف والمرفأ وخط الإمداد، لا من يرفع الصور في المؤتمرات.

نحن أمام لحظة ما بعد الخرائط، فيها تنكسر الدولة الكلاسيكية لتصبح منصة، ويتحوّل الحليف من شريك طارئ إلى وحدة بناء وظيفية داخل كتلة أوسع، لا يحكمها اللون ولا الشكل، بل الأداء. هي لحظة تتراجع فيها السيادة الصلبة لصالح الشبكات، وتُستبدل فيها الجدران بالأسلاك، والنصوص بالديناميات.

من بين إرهاصات الإقليم، ما يُشبه المخاض الهادئ قبل الانفجار، اللاعبون الصامتون يتقدّمون على الذين يملأون المشهد بالضجيج، والذين اختبروا مرارة العزلة صاروا أكثر مهارة في هندسة العلاقات، لا استهلاكها.

ربما لا يُعلن العالم ولادته دفعة واحدة، بل يُولد على مراحل: من حلف اقتصادي في أقصى الخليج، إلى محور لوجستي في عمق البحر، إلى تفاهمات أمنية بين ضفاف متنافرة، وكلها تسير باتجاه قطبية لا مركزية، فيها الكبير بحاجة إلى الصغير، والصغير لا ينجو إلا إذا تحالف.

إنها لحظة إعادة تعريف الذات الجماعية، لا عبر صراع الهويات، بل من خلال سؤال بسيط: كيف نحمي ما تبقى، ونُراكم على ما تحقق، وندخل الغد دون أن نحمل الأمس كعبء؟.

في هذه اللحظة، لا تعود الخرائط وثائق سياسية، بل نتائج تفاهمات آنية قابلة للتعديل، والاتحاد لم يعد مشروعا مثاليا، بل ضرورة لحماية المعنى، العالم يُعاد تركيبه، لا من فوق، بل من الأطراف، من التجمعات التي قررت أن تتكئ على بعضها، قبل أن يسحب التاريخ الكرسي من تحت الجميع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*