يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في عالم يمضي مسرعا نحو إعادة تشكيل خرائطه السياسية والاقتصادية، لم يكن مستغربا أن تظهر في المنطقة إشارات توتر جديدة، كان آخرها الضربة التي تعرضت لها إيران، سواء ما أُعلن منه أو ما بقي في طي الكتمان.
بعيدا عن الانفعالات والخطابات المرتفعة، يجدر التوقف أمام المشهد من زاوية أكثر هدوءا وواقعية. فما حدث لا يمكن قراءته كحادث منفصل عن التحولات الأعمق التي يعيشها الإقليم منذ سنوات. نحن أمام توازنات جديدة تُرسم، وأدوار يعاد تعريفها، وشبكة مصالح تتقاطع أحيانا وتتعارض أحيانا أخرى.
الضربة بحد ذاتها، سواء جاءت بدافع “الوقاية” أو “التحجيم”، تكشف أن هناك إرادة في الإقليم للقول: إن المجال لم يعد مفتوحًا بلا حدود أمام تمدد القوى الطامحة إلى أدوار تتجاوز قدراتها أو توافقات محيطها. وهي أيضا رسالة باردة، لكنها مفهومة، بأن من يطمح إلى أدوار أكبر عليه أن يعيد حساباته وفق موازين جديدة.
اللافت في الأمر أن هذه الضربة جاءت في وقت تشهد فيه المنطقة حوارا هادئا في الخلفية بين عدد من الفاعلين الإقليميين، في محاولة لصياغة مرحلة تتجاوز الفوضى وتنتقل إلى ترتيب أكثر استقرارا، ولو كان استقرارا مؤقتا أو هشّا.
وهنا، يمكن قراءة ما يجري كجزء من معادلة أكبر: ترويض الطموحات مقابل فتح الأبواب أمام تسويات اقتصادية وتنموية في الإقليم. فالمنطقة لم تعد تتحمل المزيد من الانفجارات، بينما العالم بأسره يتجه إلى إعادة تموضع استراتيجي وسط صعود قوى جديدة في الشرق، وانشغال القوى التقليدية بمشكلاتها الداخلية.
لا يبدو أن أحدا — حتى اللحظة — يرغب في دفع الأمور إلى مواجهة مفتوحة. فالجميع يُدرك أن أي اشتعال واسع سيكون مكلفا للجميع بلا استثناء. لكن في الوقت نفسه، هناك توافق ضمني بأن ضبط السلوكيات وإعادة تعريف الأدوار بات ضرورة لحفظ توازن المصالح.
في هذا المشهد، لا تتحرك الجغرافيا وحدها، بل تتحرك معها الملفات الاقتصادية، ومسارات التطبيع، والتحالفات الأمنية الجديدة التي لا تُعلن دائما في البيانات الرسمية، لكنها تظهر بوضوح في خطوط التجارة والاستثمار والأمن البحري.
خلاصة الموقف، لسنا أمام مشهد حرب تقليدية، ولسنا أمام سلام مستقر كذلك. نحن في مرحلة إعادة ترتيب المقاعد قبل أن تُعرض خريطة المنطقة في شكلها الجديد، ومن يفهم الإشارات يعرف أن التغيير لا يأتي دائما عبر القنابل، بل غالبا عبر ما لا يُقال في المؤتمرات الصحفية، وما يُكتب بحروف صغيرة في الاتفاقيات الاقتصادية، وما يُنسَّق خلف الأبواب المغلقة.
وفي النهاية، المنطقة أمام فرصة — قد تكون الأخيرة — لتجاوز منطق الاشتباك إلى منطق الشراكة، شريطة أن تتوازن الطموحات مع الواقع، وأن تكون حسابات الجميع قائمة على فكرة البناء لا الهدم، وعلى مبدأ “الربح للجميع” لا “الخسارة المتبادلة”.
الرؤية الحكيمة في مثل هذه اللحظات هي ألا يتوقف النظر عند آخر قذيفة سقطت، بل أن يمتد إلى السؤال الأهم: إلى أين يُراد للمنطقة أن تمضي؟. ومن يُحسن قراءة الإجابة يعرف أين يضع قدمه في الطريق المقبل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة