مقال| ذاكرة الحي تمشي على قدمين

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

حين يتكئ الحكيم على عكازه، لا يعني ذلك أنه انتهى، بل ربما بدأ لتوّه فصلاً جديدا من فصول الحكمة؛ فالصمت الذي يعتريه ليس عجزا، بل هو ضوءٌ خافتٌ يُمهّد لقولٍ لا يخطئ موضعه، في ركنٍ من الحيّ، أو تحت ظلّ نخلة، أو على كرسيّ أمام البيت، يجلس من صاغتْه السنينُ حكايةً من الخبرة، رجلٌ أو امرأةٌ لم يعودا ضمن “الدوام الرسمي”، لكنهما لا يزالان يملكان مفاتيح أبوابٍ كثيرة في الدهاليز العميقة لهذا الوطن.

ورغم ذلك، كم من دائرةٍ أغلقت خلفهم الباب، وكأن التقاعد نقطةُ نهاية لا فاصلةٌ بين مرحلتين، كم من فكرةٍ وئدت لأن صاحبها “خارج الخدمة”، وكم من عثرةٍ كان يمكن تجنّبها لو أننا أنصتنا قليلًا إلى من سبقونا في المسير!؛ القرآن الكريم الذي نلوكه في أفواهنا دون أن ننفذه في سياساتنا، قالها صراحةً على لسان يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}. قالها لمن ظنّ أن السجن ينهي الإنسان، فإذا به يخرج لا حاملاً جراحه، بل مقترحًا لحلّ أزمة وطن، لم يطلب منصبا، بل طلب مسؤولية؛ لأن الخبرة إذا سكتت، سقطنا في فخّ الاجتهاد المرتبك. وحين يُسأل النبي الكريم أن يشاور من حوله، يُقال له: {وشاورهم في الأمر}..

وشاورهم. لأنّ فيهم من رأى، وجرّب، وأصاب وأخطأ، وتعلّم بما لا يمكن أن تُعلّمه كتب العالم كلّه؛وشاورهم.. لأنك لست وحدك، ولأنّ الوطن ليس مشروع شخص، بل جهد أجيال.

إن المتقاعدين -في محيطهم المحلي خاصة- ليسوا كمالة عدد في مجالس الأحياء، بل هم العيون التي أبصرت تغيّر الناس، وقلوبٌ تعرّفت على أوجاعهم قبل أن تُكتب في التقارير.. هم خبرةٌ محليّةٌ أصيلة، تشبه الأرض التي نشأوا عليها، وتعرف مفاتيحها وسرّها، لكننا نخجل من العودة إليهم كأنّ في ذلك رجوعا للوراء، بينما هو في الحقيقة قفزةٌ ذكيةٌ للأمام.. القرآن يُكرّم الحكمة:

{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}.. لكننا في التطبيق نضع الحكمة على الرفّ، ونُراهن فقط على الحماسة، كأننا نبني البيت من سقفه.. إنّ الشباب طاقة، نعم، لكنّ الطاقة دون بوصلةٍ تحترق، ولا تُنير..

والمستقبل لا يُصنع بعضلات وحدها، بل بعقولٍ سبق أن مرّت من هنا، ونجحت، أو تعثّرت وتعلمت؛ فيا من يخطّط للمكان..

لا تُقصِ العجوز الذي يعرف طرق المياه تحت الأرض، ولا تُهمل المرأة التي تعرف من يطرق الباب ليلا ومن يخرج فجراً، هؤلاء هم أرشيف القرية، ورأس مال الحارة، وسجّل الحكمة في المدينة.. لا تجعلوا من التقاعد بوابة نسيان؛ اجعلوه انتقالا من مركز العمل إلى مركز المشورة، اجعلوه وقتا تُستثمر فيه الذاكرة لصالح الحاضر.. اجعلوا من كل ذاكرة حي تمشي على قدمين، شعلةً تمسكها الأجيال في دربها الطويل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*