مقال| لا تغرّك الريتويتات.. الساكت أحيانًا أفهم

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في عصرٍ يركض كالسهم، حيث تتسارع الخطى بلا أنفاس، وتتناسل التقنيات كما لو أنها تتحدى الزمن نفسه، نعيش على إيقاع اللحظة العابرة، ونكاد ننسى طمأنينة التمهّل ورفق الإدراك.

انقلبت الموازين، فصار الضوء أسرع من الفكرة، والحدث أسبق من التأمل، والكلمة تُطلق قبل أن تُصاغ، كأنما نحن نكتب على رمال متحركة، تمحو ما قبلها، وتنتظر ما بعدها بلهفة لا تعرف الاكتفاء. هو عصر التقنية التي اختزلت المسافات، ووسّعت الآفاق، لكنها -في زحمة عطائها- سرقت منا شيئاً عزيزاً، الإصغاء العميق، والتفكير المتأني، والصمت الذي كان دليلاً على الحكمة لا فراغاً يُخشى. 

في هذا العالم المتصل دائماً، المُثقل بالتنبيهات والضجيج، ما أحوجنا إلى لحظة تبصر، نُعيد فيها تعريف الكلمة، ونستعيد فيها أدب الحوار، ونفهم أن في بطء بعض الأشياء نضجاً، وفي صمت بعض النفوس علماً، وفي غياب بعض الأصوات حكمة أكبر من كل الحضور.

وبين ضجيج المنصات وصمت الحكماء دعوة إلى التريث في زمن الإسراف بالكلام، في الزمن الذي باتت فيه المنصات الاجتماعية منابر مفتوحة لا تعرف قيود الزمان ولا ضوابط المكان، يلوذ كثير من الشباب إلى الكلام المرسل، يوزعونه ذات اليمين وذات الشمال، في كل قضية مطروحة، وفي كل شأن عام أو خاص، وكأن الكلمة لا تبعات لها، والرأي لا يقتضي علماً أو مسؤولية. تزدحم الساحات الرقمية بآراء تتفاوت بين الجرأة والسطحية، وبين الادعاء والمعرفة، حتى صار من المعتاد أن ترى من يخوض في السياسة الدولية، ويُفتي في الاقتصاد، ويحلل الاجتماع، ويُقيّم الثقافة والفن والتاريخ، دون أن يتورع عن الخوض في مسائل لم يقرأ فيها صفحة، ولم يتأمل سياقاً، ولم يسأل أهل الذكر إن كانوا بها يعلمون.

وقديماً قالوا، “تكلّم حتى أراك”، أما اليوم فنحن نرى كثيراً ممن تكلّموا، فتمنّينا لو أن الصمت بقي سيد الموقف، ليس العيب في الرغبة بالمشاركة أو التعبير، فذاك من الحقوق المشروعة والمكتسبات التي جلبها العصر الرقمي، بل العيب أن تتحول المشاركة إلى استعراض، وأن يُستبدل التعمق بالانفعال، وأن تُستسهل القضايا حتى يغدو الرأي فيها لعبة ريتويت وتعليق.

إننا بحاجة إلى وقفة تأمل، نستعيد فيها أدب الكلمة، وميزان الرأي، وقيمة الصمت. فالكلام في حضرة الحكماء ليس بطولة، والجدل مع من خبروا الحياة لا يُكسبك مجداً، بل قد يفضح من ضحالة التجربة ما لا يفضحه السكوت. من لا يحسن الإصغاء، لن يُحسن القول، ومن لم يُروّ فكره قبل أن يُطلقه، لن يُثمر قوله سوى الجدل العقيم.

أيها الأبناء، لا يُطلب منكم الصمت، بل يُطلب منكم أن تزنوا الكلمة بميزان العقل والخلق، وأن تتواضعوا للمعرفة، وأن تُنصتوا قبل أن تُجيبوا، فثمة من سبقكم علماً، وسبقكم تجربة، وسبقكم ألماً وصبراً.

وفي الختام، تذكّروا.. ليست الحكمة في أن تقول كل ما تعرف، بل في أن تعرف متى تتكلم، ولمن، ولماذا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*