يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في مؤسساتنا وإداراتنا، كثيرا ما تتزاحم الأفكار وتتشكل النظريات وتُرسم الخطط على الورق بأبهى صورة. نُجيد وصف المشكلات، وتشخيص التحديات، بل ونُبرع في وضع الحلول المقترحة بصياغات محكمة. لكننا، ونحن نعيش تحولات مطالب اليوم، نقف عند حافة الورق، بأكثر من الحذر والانضباط؛ عاجزين عن القفز إلى الواقع؛ ما ينقصنا في كثير من الأحيان ليس الرؤية، بل الجرأة على التنفيذ.
كم من مشروع ظل حبيس الأدراج، لا لأنه غير ناضج، ولا لأن الواقع عصي، بل لأن التردد أقعد من بيده القرار في اللحظة الحاسمة. المسؤول التنفيذي حين يتردد، لا يُجمّل الواقع، بل يؤجله، ولا يُقلل المخاطر، بل يطيل أمدها.
الإقدام لا يعني التهور، لكنه يعني أن نملك الشجاعة الكافية لتحويل النظرية إلى تجربة، والخطة إلى فعل. النظرية التي لا تلامس الواقع تُذبلها الأيام؛ والإدارة التي تُكثر من الورش والاجتماعات دون حسم، تفقد تدريجيا إيقاع الإنجاز. لا ينهض وطنٌ بالأمنيات، بل بالإرادات؛ ولا تُبنى المجتمعات بالحذر الزائد، بل بالإقدام المتزن.
في مراحل التحولات الكبرى في الاقليم والعالم، لا تكفي السلامة كمعيار للقرار، بل لا بد من الجرأة المُستنيرة. وها هي أمم سبقتنا لم تكن تملك أفضل النظريات، لكنها امتلكت روح المغامرة، فابتكرت، وجرّبت، وأخطأت، ثم أصابت؛ نحن في مرحلة من تاريخنا تتطلب منّا أن نتجاوز “ثقافة الانتظار”، إلى “ثقافة المبادرة”، لا تنتظر الإجماع، فالإجماع لا يُصنع القرارات بل يُعطلها أحيانا؛ والخطأ المحتمل في التنفيذ، أهون من الصواب المؤجل على الورق.
لنبحث عن صانع القرار الجرىء، لا المردد الحذر؛ ولا نقم ورشة عمل لنحسم مسألة تحتاج إلى موقف، لا إلى مزيد من الكلام. التاريخ لا يذكر من فكر فقط، بل من أقدم ومضى.
لقد آن أوان الإقدام؛ فالزمن لا يرحم المترددين، والفرص لا تنتظر المتحيرين.. والعالم من حولنا يتسارع، فيما نحن نقف بين دفتر وخوف، بين نظرية وجلسة مؤجلة. اللحظة الراهنة لا تطلب منّا الكمال، بل الحركة؛ لا تطلب مزيدا من الوصف، بل الجرأة على البدء.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة