مقال| مضيق بين حاء الحكمة ونون الجوار

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في الشرق الذي لا يزال يتقن حياكة المعاني في تفاصيل الأشياء، لا تمرّ زيارةٌ سياسية من دون أن تهمس بها الجغرافيا، وتشارك في سردها اللغة. ولعلّ من غرائب الصدف، أو من حِكَم الأقدار، أن تجتمع في هذه اللحظة دولتان تُختمان بالنون: عُمان وإيران.. كأن الحرف الأخير رسم لهما دربا مشتركا في عالم تتنافر فيه النهايات وتتنازع البدايات.

زيارة الرئيس الإيراني إلى سلطنة عُمان ليست مجرد بروتوكول عابر، ولا هي من تلك الزيارات التي تُسجّل في دفاتر الأخبار ثم تُنسى. إنها، في رمزيتها العميقة، إيماءة من التاريخ لحرف مشترك، ومصير قد يتقاطع في ممرات مضيق، أو في مرافئ الحكمة.

في مسقط، تلك العاصمة الهادئة التي تجيد الإصغاء أكثر مما تجيد الضجيج، تفتح الأبواب لا لتوقيع البيانات فحسب، بل لتنسج من خيوط التلاقي ممرا نحو الممكن. عُمان، كعادتها، لا تسأل الزائر عن انتماءاته بقدر ما تهمس له بالسؤال الأعمق: “كيف نُبقي على شعلة الاستقرار متقدة في ظلام الجوار؟”.

أما إيران، التي تثقلها التحديات وتستفزها العزلة، فهي تدرك أن لعُمان مفتاحا خاصا في أقفال الخليج، وأن اللقاء بها ليس فقط لقاء سياسات، بل لقاء رؤى وحسابات دقيقة تُضبط على ميزان العُقلاء.

وفي خلفية المشهد، تسير النون إلى النون. دولة تختم بالسكينة، وأخرى تختم بالصراع، لكن كليهما يشتركان في الأمل بأن الحرف الأخير لا يكون نهاية، بل بداية اتفاق، أو نقطة تحوّل.

ليس التعاون حتميا لأن الحروف تتشابه، لكنّ اللغة، حين تصير جسراً بين الشعوب، تُعطي للاجتماع معنى آخر.. فالسياسة هنا ليست لعبة مصالح فقط، بل رقصة بين التوازن والمبدأ، بين الممكن والمأمول، وبين الحذر والتطلع.

لقد أكّدت الزيارة مجددا أن عُمان تظل هي هي: صوت التهدئة في زمن الصراخ، ورئة التنفس في جغرافيا تخنقها الحسابات. أما إيران، فوجدت في هذا اللقاء مساحةً للتأمل وإعادة التموضع، وربما لتدوين سطر جديد يبدأ من نفس الحرف الذي تنتهي به.

فهل يكون التعاون المشترك بين النونين مصيرا أزليا؟. ربما، إن اختارت السياسة أن تتشبه بالشعر، وإن أصغت إلى ما تقوله الحروف حين تلتقي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*