مقال| عُمان.. حيث يُزهر الصيف برائحة النسيم

يكتبه: آمنة بنت محمد البلوشية| 

بينما يهرب الناس من لهيب الصيف باحثين عن برودة مستحيلة، تكشف سلطنة عُمان عن وجهها الآخر: صيف بارد، عليل، مُدهش، لا يشبه سواه. هنا، لا يشتد القيظ، بل يلين، ولا تتصحّر الأيام، بل تزهر.

في الجبل الأخضر، وجبل شمس، ومِسفاة العبريين، والأشخرة ورأس الحد وفي ربوع ظفار، تنخفض درجات الحرارة صيفا لتتراوح بين 18 إلى 20 درجة مئوية، وأحيانًا أقل. مناخٌ يُدهش الحواس، ويُنعش القلب، ويمنح الجسد استراحة من حرّ المدن ولهيبها.

من الجبل إلى البحر، ومن السهل إلى الخريف، تهبّ على الزائر نسائم لا تعرف القسوة، وتحمله إلى مواسم تُولد من رحم الصيف، لكنها لا تحترق به، بل تزدهر.

بينما يفرّ الناس من قيظ الصيف ولهيبه، يبحث آخرون عن ظلّ الاسترخاء ونسيم الراحة، فيجدون في عُمان ملاذا باردا، يفيض بالجمال والدهشة.

في الجبل الأخضر، تتسلّق الشمس بخجل مدرّجات الرمان والورد، وتتنفّس الأرض برائحة الزعتر والميرمية. هناك، لا تنبت الأشجار فقط، بل تنبت القصائد من صمت الجبال، وتُروى الأرواح بندى الصباح. أما جبل شمس، فله حكاية أخرى؛ حيث تهمس القمم للغيوم، وتصبح السماء أقرب، والهواء أنقى من أمنية.

وعلى امتداد البحر، بلطفه وسكينته، يفتح شاطئ الأشخرة ذراعيه بلونه اللازوردي المتلألئ، يسرّ العين ويبهج النظر، بينما تهمس الأمواج بقصائد البحر العتيق. وشاطئ أصيلة يروي للحالمين حكايات المدّ والجزر بصوت لا يعرف الضجيج. أما شاطئ صقله، فيستقبلك كلوحة مائية في حضن قرية بحرية، تلامسها الريح كما تهب النسمة على وجه الماء، وتنعكس تجليات الرمال الناعمة تحت أقدامنا، تحت ضوء النجوم، كأنها انبعاث آخر للجمال.

وعلى امتداد جعلان بني بو علي، حيث منطقة السويح، تنتشر شواطئ وسواحل بحرية جميلة تُعدّ مكانا مثاليا لتجمع الطيور المهاجرة. يمكن للزوار الاستمتاع بمشاهدة البحيرات الوردية التي تضفي على المكان جمالا ساحرا. بالإضافة إلى ذلك، تتواجد الصخور المتنوعة في تدرجاتها اللونية، ما يجعل المنظر طبيعيًا استثنائيا يعكس تنوع الطبيعة العمانية. 

وفي ظفار، الخريف لا يُشبه أي خريف. هناك، لا تمرّ السحب مرور العابرين، بل تقيم في السماء، وتغسل الجبال بندى الفجر، وتترك على الأرض عبير المطر والماء. تُزهِرُ الأرض دون أن تُزرَع، وتخضرّ الروح قبل أن تُمسّ. في كل زاوية من ظفار حكاية نديّة؛ من عبق النارجيل في الأسواق، إلى نضج فاكهة القلقاس التي تُقطف بأيدٍ تُشبه مواسمها: صافية، دافئة، ومعطاءة.

الضباب هناك لا يحجب الرؤية، بل يكشف عن سرّ الطبيعة حين تُقرّر أن تكون شاعرا. الأشجار تنحني بلطف كأنها تُلقي التحية على الزائر، والجبال تلبس خُضرتها بأناقة لا تشيخ. ظفار في الخريف ليست وجهة، بل تجربة تُروى بالقلب قبل أن تُسجّل بالكلمات.

وإن تسللت الطريق نحو شرفة النخر، أو مررت بقرية الخطيم وقرية الساب، ستشعر أن الطبيعة رتّبت تفاصيلها بعناية لتُدهشك. هناك، تُزهر الصباحات، وتتبسّم السماء.

وفي الرستاق، بلد سيت، وبلاد سيت في الداخلية، تكتشف حكايتين من ماءٍ ونور، تحيطهما الجبال، ويعانقهما الصمت الجميل. هناك، تغتسل الروح من عناء المدينة، وتتنفّس الطبيعة على مهل.

أما مسفاة العبريين، فتخبّئ في جبالها بردا لطيفا يُنعش الجسد، ويغسل الأعماق بنفحات من الزمن الطيب.

في سلطنة عُمان، لا تُقاس الرحلات بالكيلومترات، بل تُوزن بمدى ما تتركه فيك من صفاء، ودهشة، وارتياح. إنها بلاد لا تهديك برودة الطقس فقط، بل تمنحك استرخاء القلب، وذاكرة مزهرة بالسكينة.

Ayaamq222@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*