يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في الممرات الطويلة للمؤسسات الحكومية، وفي صالات الانتظار التي تعرف الصبر أكثر من أي مكان آخر، يقف المواطن حاملا ملفه، لا يطلب امتيازا ولا يبحث عن منّة، بل يسعى إلى حقٍ بسيط. أن تُنجز معاملته بيسر، وأن يُعامل باحترام، وأن يعود إلى يومه من دون أن يُرهق بأبواب مغلقة أو إجراءات لا تنتهي.
الإدارة ليست جدارا يُواجه به المواطن، بل جسدٌ حيّ، قلبه الموظف، وعقله المدير، وروحه رضا الناس. وما لم تدرك المؤسسات أن ثقة الناس تبدأ من شباك صغير تُسلَّم عنده ورقة، فإنها ستبقى بعيدة عن نبض الشارع، مشغولة عن رسالتها الكبرى.
إننا لا نطلب المستحيل، بل نسأل عن أبسط الأمور. أن تُختصر الخطوات، أن تُفهم اللغة، أن تُستغنى عن التوقيع العاشر إذا كان التسعة قبلَه كفيلين بالحسم، أن يُعامل بإنسانية لا كرقم في طابور. ما فائدة التقنية إن ظلت حبيسة المكاتب؟. ما جدوى التحول الرقمي إن لم يُختصر به الزمن، ويُرفع به العبء عن الكتف؟. التكنولوجيا ليست أزراراً فحسب، بل فكرٌ إداريٌّ يؤمن بأن الوقت أثمن من أن يُهدَر في انتظار غير مُبرر.
إن الموظف العام، في كل دائرة ومكتب، هو مرآة الدولة، ملامحه، كلماته، طريقته في الرد، مدى تفهّمه. كلّها تنعكس في ذاكرة المواطن على شكل انطباع عن العدالة والإنصاف. وليس أصعب على النفس من أن يشعر الإنسان في وطنه أنه متّهم حتى يثبت العكس، أو أنه متسوّل خدمة بينما هو صاحب الحق.
لذلك، فإن الواجب اليوم على كل مسؤول، من أصغر المراتب حتى أعلى الهرم الإداري، أن يُراجع السؤال الجوهري، لماذا نحن هنا؟.
والجواب واضح كالشمس، لخدمة الناس. فلنُعد تشكيل الروح الإدارية على قاعدة الرحمة لا التعقيد، الكفاءة لا المماطلة، الشفافية لا التعتيم. ليكن في كل مكتب نافذة أمل لا جدار صد، وفي كل موظف رغبة صادقة بأن يكون عونا لا عائقا.
في نهاية المطاف، ليس من مقياسٍ أدقّ لنجاح الدولة من رضا المواطن، فلنبدأ من هناك.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة