يكتبه: بدر بن سعيد الذهلي|
تواصل وزارة التراث والسياحة في سلطنة عُمان جهودها الحثيثة لتنفيذ مشاريع استراتيجية تسهم في تحقيق أهداف الاستراتيجية العمانية للسياحة 2040، التي تهدف إلى تعزيز مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي واستقطاب 11 مليون زائر بحلول عام 2040 وخلق فرص عمل مستدامة للمواطنين، إلى جانب ترسيخ مكانة عمان كوجهة سياحية غنية بالتراث والطبيعة والتجارب الثقافية المتنوعة.
وقد يتبادر إلى ذهن القارئ: ما هو مشروع الجولات السياحية الكبرى؟.
إنه مجموعة من المسارات السياحية الممتدة والمتكاملة، تربط بين عدد من المحافظات والمواقع السياحية والثقافية والطبيعية، ضمن تجربة متواصلة تنفذ عبر وسائل نقل برية أو بحرية أو جوية، وتُصمّم بعناية لتقدّم للسائح تجربة ثرية ومتنوعة تمتد لعدة أيام، تشمل الإقامة، والأنشطة، والضيافة، والتفاعل مع المجتمعات المحلية.
ومن المتوقع أن يتضمن المشروع مسارات متعددة، منها على سبيل المثال: جولة في محافظات شمال سلطنة عُمان (مسقط، الداخلية، الظاهرة، البريمي، مسندم، شمال وجنوب الباطنة)، ترتبط بجولة في الجنوب (ظفار وجبالها وشواطئها وسواحلها التاريخية). وستتنوع التجارب من خلال تفعيل الأدوار التاريخية للقلاع والأسواق والقرى القديمة، بالإضافة إلى استكشاف المحميات، والجبال، والأودية، وتنظيم جولة ساحلية على طول الشريط الجنوبي الشرقي من السلطنة، مروراً بمحافظتي جنوب الشرقية والوسطى.
ومن أبرز التحديات التي واجهت السياحة في سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية محدودية التجربة السياحية المتاحة من حيث عدد المواقع والزمن. ويسعى مشروع الجولات الكبرى إلى تجاوز هذا التحدي من خلال تقديم تجارب سياحية متكاملة ومترابطة، تتيح للسائح استكشاف مواقع جديدة بعيدة عن التجمعات الحضرية أو الوجهات التقليدية التي ركّزت عليها السياحة العمانية منذ انطلاقتها في عام 2004.
وتشير أرقام المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن معدل مكوث السائح في سلطنة عمان أقل بكثير مقارنة بدول أخرى في المنطقة. ومع إطلاق برامج الجولات السياحية الكبرى، التي تمتد لعدة أيام وربما أسابيع، يُتوقع أن تزداد مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق، مما يسهم بشكل مباشر في تعزيز الإيرادات السياحية للناتج الاقتصادي الوطني. كما أن تنقّل السائح بين مواقع متعددة يشجعه على تجربة فنادق ومنتجعات ومطاعم وأسواق متنوعة، مما يعزز من دوران العجلة الاقتصادية في مختلف المحافظات.
الجدير بالذكر أن من أبرز مزايا المشروع هو الدمج المباشر للمجتمعات المحلية في التجربة السياحية. فكل محطة من محطات الجولات ستكون فرصة للمزارعين، والحرفيين، والمرشدين السياحيين، وأصحاب المشاريع الصغيرة، لتقديم منتجاتهم وخدماتهم. كما تسهم هذه المشاركة المجتمعية في توفير فرص عمل للشباب داخل مجتمعاتهم، وفتح آفاق جديدة للاستثمار المحلي في قطاع السياحة.
وسوف مشروع الجولات الكبرى إلى جعل الاستدامة البيئية والثقافية والاقتصادية جزءاً لا يتجزأ من التجارب السياحية المتنوعة إذ إن توجيه النشاط السياحي نحو المناطق الريفية والمجتمعات الصغيرة يسهم في تخفيف الضغط عن المدن الكبرى، ويضمن توزيعاً شمولياً للعوائد السياحية، مما يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق رؤية السياحة المستدامة في السلطنة.
إن مشروع “الجولات السياحية الكبرى” يُمثّل نقلة نوعية في شكل وطبيعة السياحة العمانية، فهو لا يقدّم فقط منتجاً سياحياً جديداً، بل يُرسّخ نموذجاً شاملاً للتنمية السياحية يرتكز على الاستدامة والمجتمعات والتنوع والتجربة العمانية ذات الثراء الثقافي. ومع دعم الشركاء في القطاعين العام والخاص، فإن هذا المشروع قادر على إعادة رسم الخارطة السياحية لعُمان وفتح آفاق جديدة للاستثمار والابتكار والنمو المتوازن في مختلف ربوع البلاد.
* كلية عُمان للسياحة
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة