يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في خضم التحديات الإدارية اليومية، تتزايد شكاوى المواطنين من بطء إنجاز المعاملات، وتراكم القضايا في ممرات المؤسسات والدوائر.
لا تكمن المشكلة في حجم الطلبات وحده، بل في أسلوب التعاطي معها، حيث تلجأ بعض الجهات إلى حلّ جماعي يبدو من الخارج تفاعليا وشفّافا، لكنه في جوهره يفتقر إلى المفاتيح الحقيقية للحل. مشهد مألوف في كثير من الولايات يُدعى المواطنون إلى اجتماع عام، تحت شعار الاستماع لهموم الناس. يتوافد المواطنون حاملين ملفاتهم، وكلٌّ منهم يحمل أملًا في أن تُفتح أبوابٌ ظلت مغلقة شهورا وربما سنوات.
لكن ما يحدث في قاعة الاجتماع لا يرقى إلى مستوى التطلعات، تُطرح القضايا، تُسرد المطالب، وتُدوَّن الملاحظات، ولكن بلا أوراق حلول معدّة سلفا، ولا فرق فنية جاهزة للرد، ولا صلاحيات تنفيذية فورية. ينتهي الاجتماع، ويخرج المواطن من القاعة كما دخل، إلا من ورقة كتب فيها مشكلته مرةً أخرى.
هذه الاجتماعات، وإن بدت تفاعلية، تحمل تبعات خطيرة إذا لم تُصاحبها آليات فعالة، تآكل الثقة، المواطن الذي يرى أن صوته يُسمع دون أن يُستجاب له، يفقد إيمانه بالمؤسسات. تترسخ البيروقراطية، تتكرس صورة الدولة التي تُكثر من الوعود وتُقلّ في التنفيذ، تتفرغ المشاركة من مضمونها.. يتحول الاجتماع من أداة حل إلى طقس شكلي.
وإذا استمر هذا النمط من الاجتماعات، فإننا نكرّس نموذج “الشاهد على المشكلة”، لا “الشريك في الحل”. ما نحتاجه ليس فقط دعوة المواطن للحديث، بل الى تحليل وتصنيف القضايا قبل الاجتماع، مع تجهيز ردود وخطط أولية، وتهيئة فرق متخصصة تكون حاضرة للإجابة والمعالجة الفورية أو التدريجية وتخصيص جلسات مستقلة للقضايا العامة والفردية حتى لا يضيع المهم في زحام التفاصيل وبناء آلية متابعة علنية لما تم طرحه وما تحقق منه، في إطار زمني واضح.
الناس لا تريد معجزات، بل بوادر جدية، والشفافية لا تعني فقط أن تسمع صوت المواطن، بل أن تُريه أثر صوته. في النهاية، لا قيمة لاجتماع كبير، إن لم يُفتح فيه بابٌ صغير لحلّ مشكلة واحدة. إن هموم المواطن ليست أوراقا تُصفف في الملفات، ولا مشكلات يُحتفى بعرضها في الاجتماعات، بل هي مسؤوليات حقيقية تستدعي الفعل قبل القول، والإنصات العميق يتبعه العمل الجاد، لا الوعود العابرة.
إن الإخلاص في خدمة الناس لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بأثرها الملموس في حياة من حضرها وعلّق عليها الأمل. المواطن ليس مجرد مستمع، بل شريك في بناء وطنه، وصوته أمانة، لا مادة إعلامية ولا رقما في سجل المتابعة.
لذا، فإن المعالجة الفعلية تبدأ من الاعتراف بأن كل مشكلة صغيرة، إذا أُهملت، تصبح حجر عثرة في ثقة الناس بدولتهم. ولن ننهض بخدماتنا إلا إذا آمنا أن صوت المواطن ليس مجرد عبء نسمعه، بل بوصلة نسترشد بها لصناعة التغيير. ولعل الوقت قد حان لننتقل من ثقافة الاستماع إلى ثقافة الاستجابة، ومن إدارة الاجتماعات إلى إدارة الحلول.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة